الصفحة 80 من 112

الفصل الخامس

الخلاف في قضايا التكفير والتوسل

أولًا: الخلاف في التكفير

هذه المسألة من أهم المسائل التي دار حولها الجدل بين الوهابية وخصومها، وهي كذلك مسالة شغلت الفكر الاسلامي منذ قرون بعيدة، وقيل إن الخوارج هم أول من بدأ بتكفير أهل القبلة ثم تبعهم في ذلك من تبعهم من فرق الاسلام حتى ظهرت في هذا العصر ما يسمى"بجماعة التكفير"في مصر، وقد كتب عدد من المؤلفين المعاصرين عن هذا الموضوع وأفردوا له كتبا ورسائل ومن هؤلاء الكتاب الأخ سالم على البهنساوي في كتابه"الحكم وقضية تكفير المسلم"ومن هؤلاء ايضا الشيخ يوسف القرضاوي في رسالته"ظاهرة الغلو في التكفير"ومنهم الشيخ سليمان بن عبد الوهاب النجدي في رسالته"الصواعف الإلهية في الرد على الوهابية"ومنهم الشيخ جعفر سبحاني في كتابه"التوحيد والشرك في القرآن الكريم"إلا أن أولئك الكتاب المعاصرين كانت مناقشتهم للموضوع محدودة في أغلب الأحيان بفترة زمنية معينة أو كانت دراسة لحالة معينة، فالاخ سالم البهنساوي ناقش هذا الموضوع في مجلد ضخم الا أنه اختصر على دراسة الحالة الراهنة لجماعة التكفير في مصر، دون ربط القضية بجذورها التاريخية، ثم إنه ابتعد عن الإشارة إلى الخلاف الذي حدث بين بعض الفرق الاسلامية في هذه القضية، مثل الوهابية وخصومها، كما أن الشيخ القرضاوي لم يشر الى الفرق التي اتُهمت بتكفير المسلمين في العصر الحديث وخاصة الوهابية، وانما اختصر بذكر جماعة التكفير، كما أنه اعتبر هذه المسألة قضية ظهرت في هذا العصر بأيدي الشباب المسلمين المنتمين إلى جماعة الاخوان لاسباب معينة ذكرها المؤلف في رسالته، أما جماعة الوهابية فلم يشر واحد من هذين المؤلفين بأن لهم يد في بعث هذه الظاهرة في العصر الحديث، بل ابتعدا على قدر الامكان من الاشارة إلى جماعة الوهابية، ولكن الحقيقة التي لا يمكن انكارها هي أن لجماعة الوهابية يد في بعث فتنة التكفير في العصر الحديث، وقد قلنا فيما سبق إن دراسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لفكرة التوحيد سارت في اتجاهين، اتجاه اصلاحي يهدف إلى تنقية العقيدة، وتجريدها مما رآه أنها بدع مستحدثة وبمقتضى المنهج التحليلي الذي اتبعه الشيخ محمد بن عبد الوهاب اتسعت دائرة التوحيد بحيث دخلت فيه أمور ليست في الحقيقة من مسائل التوحيد المهمة، ثم تلى ذلك أن تأثر به بعض المفكرين المعاصرين مثل سيد قطب والشيخ المودودي، مما أدى في نهاية المطاف إلى ظهور جماعة من الشباب استندوا إلى افكار هؤلاء المفكرين والذين شكلوا فيما بعد ما يعرف الآن بجماعة التكفير.

أما الإتجاه الثاني الذي سارت عليه دراسة فكرة التوحيد عند ابن عبد الوهاب هو الاتجاه الاصلاحي الاجتماعي السياسي، وقد ناقشنا هذه القضية في الفصل الثالث من هذا البحث، أما القضية التي الآن نحن بصددها وهي قضية تكفر المسلم فقد ظهرت بسبب هذا المنهج التحليلي للعقيدة، ولا شك أن محيي هذه الفكرة في العصر الحديث هو ابن عبد الوهاب، فقد أشار الأخ سالم على اليهنساوي في كتابه"الحكم وقضية تكفير المسلم"إلى أمر مهم ربما يعيننا على معرفة جذور هذه المسألة، وهو أنه عند ما سُئل بعض شباب جماعة التكفير عن السند الذي استندوا عليه في تكفير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت