فهرس الكتاب
أما الجسم الصنوبري فإذا كان عضوا طبيعيا وجب أن يكون عمله علي أشده وأصحه في أصحاب الأجساد الطبيعية والأمزجة السوية ، ولكن الذي يشاهد في أصحاب القدرة علي التلقي أنهم يشذون عن سواء المزاج المعهود في الأصحاء ، وأن هذه الملكة فيهم لا تحيا كما تحيا الأعضاء الأثرية المهملة بل تحيا كما تحيا العبقريات الخلاقة لمعاني الفنون ومبتكرات الفهم والخيال ، وأن الذي يمتاز بها لا يكون أقرب إلي الحيوان بل أقرب إلي المثل الإنسانية التي تتجافي كثيرا عن الغرائز الحيوانية والنوازع الجسدية .
وإذا كان الجسم الصنوبري متلقيا للحس علي أسلوب العيون والآذان و الأنوف وجب أن تتساوي عنده جميع المرسلات ، و ألا يميز ذبذبة عن ذبذبة ولا مكانا عن مكان . ووجب عند جلوس عشرة في بقعة واحدة أن يتلقوا جميعا صوت الاستغاثة المنبعث من الأماكن القصية ، لأن هذا الصوت حركة مادية والأجسام الضنوبرية عند هؤلاء العشرة أجسام مادية تهتز بتلك الحركة علي السواء ، ولا يقال أن الذي يعنيه الخبر هو الذي يسمعه ، لأن العناية تتولد من سماع الخبر لا قبل سماعه ، وقد يكون المقصود بالخبر غافلا عنه غير متهيئ لسماعه في تلك اللحظة ، وإذا كانت العناية من الجانبين تضيف شيئا إلي قوة الحس فهي إذن شيء (عقلي إرادي) ينحصر في العقل والإرادة ولا يعم كل حركة تخطر في الأثير .
ولا غرابة في ندرة الظواهر الروحية بين العوامل المادية ، فيحس بالآثار الروحية آحاد ولا يحس بها الأكثرون ، لأننا قد تعودنا أن نري كائنات لا تحصي بمعزل عن فعل العقل أو الروح ولكن الغرابة البالغة أن يكون في كل دماغ جسم صنوبري وأن تنبعث الذبذبات من جميع الأجساد بغير انقطاع ثم تنحصر ظواهر الكشف أو الشعور البعيد قي آحاد معدودين .