الصفحة 65 من 112

وتدل تسمية الإلهين دلالة واضحة علي انتقال الفكرة الإلهية طبقة فطبقة من صورة التجسيم إلي صورة التنزيه . فإن هرمز مأخوذ من (أهورا) بمعني السيد ، و (مازداو) بمعني الحكيم ، وأهرمن مأخوذة من (انجرو) بمعني السيئ وما ينوش بمعني الفكر والروح ، والمعنيان عا من عالم الفكر المجرد أو القريب من التجريد . ثم أصبحت كلمة أورمزد مرادفة لروح القدس وكلمة أهريمان مرادفة لروح الشر أو روح الأذي والفساد ، وقيل في مجمل الأساطير المجوسية أن أهريمان إنما هو فكرة سيئة خطرت علي بال زروان فكان منها إله الظلام .

ويخيل إلينا أن زرادشت كان خليقا أن يسمو بعقيدة المجوس إلي مقام أعلي من ذلك المقام في التنزيه ، وأن يسقط بأهرمن من منزاة الند إلي منزلة المارد المطرود ، لولا أن وجود (أهرمن) كان لازما لبقاء الكهانة الفارسية في عهود المحن والهزائم التي منيت بها الدولة وتجرعت فيها الأمة غصص الذل والانكسار . فلو قال الموابذة للمؤمنين بهرمز أنه هو الإله المتفرد في الكون بالتصريف والتقدير لكفروا بدينهم وحاروا في أمرهم ، ولكنهم يكبرون من قوة أهرمن ويجعلون انتصاره عقوبة للناس علي تركهم للخيرات وحبهم للشرور ، ثم يبشرونهم بغلبة الإله الحكيم الرحيم بعد الهزيمة ، فتهدأ وساوسهم إلي حين .

علي أن (زرادشت) قد استخلص من أخلاط المجوسية عقيدة وسطا بين العقيدة الوثنية الأولي والعقيدة الإلهية الحديثة ، سواء في تصحيح الفكرة الإلهية أو مسائل الأخلاق ومسائل الثواب والعقاب .

فالله في مذهب زرادشت موصوف بأشرف صفات الكمال التي يترقي إليها عقل بشري يدين علي حساب نشأته بالثنائية وقدم العنصرين في الوجود . فالخير عند زرادشت غالب دائم ، والشر مغلوب منظور إلي أجمل مسمي ، وما زال (أهرمن) يهبط في مراتب القدرة والكفاية علي هذا المذهب حتي عاد كالمخلوق الذي ينازع الخالق سلطانه ، ولا محيض له في النهاية من الخذلان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت