الصفحة 78 من 112

ولم يتصوروه خالقا للدنيا أو خالقا للأرباب التي تساكنه في جبل الأوليمب وتركب معه متن السحاب . فه علي الأكثر والدا لبعضها ومنافس لأنداده منها ، وتعوزه أحيانا رحمة الآباء ونبل العداوة بين الأنداد .

ولم يزل (زيوس) إلي عصر (هومير) خاضعا للقدر مقيدا بأوامره ، عاجزا عن الفكاك من قضائه .

ثم صوره لنا الشاعر المتدين علي مثال أقرب إلي خلائق الرحمة والإنصاف ، ومثال الكمال ، ولكنه نسب الخلق إلي أرباب أقدم منه ومن سائر المعبودات الأولمبية .. وهي (جيا) ربة الأرض و (كاوس) رب الفضاء و (أيروس) رب التناسل والمحبة الزوجية ، وجعل أيروس يجمع بين الأرض وزوجها الفضاء فتلد منه الكائنات الساموية والأرضية وآخرها أرباب الأوليمب . وعلي رأسهم (زيوس) الملقب بأبي الأرباب .

وكان (أكسينوفون) المولود بآسيا الصغري قبل الميلاد بنحو ستة قرون أول من نقل إليالإغريق فكرة الإله الواحد المنزه عن الاشتباه ، فكان ينعي علي قومه أنهم يعبدون أربابا علي مثال أبناء الفناء ، ويقول أن الحصان لو عبد إلها لتمثله في صورة الحصان ، وأن الأثيوبي لو تمثل إلها لقال أنه أسود الإهاب ، وأن الإله الحق أرفع من هذه التشبيهات والتجسيمات ، ولا يكون علي شيء من هذه الصفات البشرية ... بل هو الواحد الأحد المنزه عن الصور والأشكال ، وأنه فكر محض ينظر كله ويسمع كله ويفكر كله ويعمل كله في تقويم الأمور وتصريف أحكام القضاء .

وكان أثر الديانات الأسيوية والمصرية أظهر من كل ما تقدم في الديانة الأورفية السرية . لأنها كانت ملتقي عبادة إيزيس وعبادة مترا وعبادة المجوس والبراهمة .

فعرفوا الروح وعرفوا تناسخ الأرواح ، وعرفوا أدوار التطهير والتكفير ، ومزجوا بها عبادة (ديونيس) الذي كان في عصورهم الغابرة إله الخمر والقصف والترف .. فجعلوا خمره رمزا إلي النشوة الإلهية: نشة الحياة والشباب الخالد المتجدد علي مدي الأيام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت