فهرس الكتاب
وتتجلي هذه الظاهرة في الأديان القديمة التي أتمت نضجها وبلغت مستقرها في زمانها واستكملت من قبل جميع شعائرها ، كالديانة المجوسية التي أسلفنا تلخيصها كما أعتقدها أهلها قبيل الميلاد وبعده بقليل . فإن أبناءها قد أخذوا بعقيدة التوحيد بعد احتكاكهم بالمسلمين وأصبح المجوس الذين يسمون اليوم بالباريسيين يؤمنون بإله واحد: هو إله الخير يزدان ولا يشركون معه أهرمن كما فعل أسلافهم الأقدمون . قال العلامة جيمس دار مستتر Darmester في كلامه علي زرادشت من كتاب حوادث العالم الكبري: (أنهم قد انتهوا إلي الوحدانية ، وأن الدكتور ويلسون حين كان مشغولا بمناقشة الباريسيين منذ أربعين سنة -نعت دينهم بالثنوية فأنكر مجادلوه هذه التهمة ، وقالوا أن أهرمن لم يكن له وجود حقيقي وأنما هو رمز لما يجيش بنفس الإنسان من خواطر السوء . فلم يعسر علي الدكتور أن يبدي لهم أنهم يناقضون بذلك كتبهم المقدسة . ولم يزل النقاد الأوربيون حينا بعد حين يعجبون للتقدم الذي تقدمه البارسيون في المذهب العقلي بعد مدرسة فولتير وجيبون . ولكن الواقع أنه ليس للمذاهب الأوربية تأثيرا وراء هذا التقدم . فإن البارسيين قبل أن يسمعوا بأوربة والمسيحية وجد فيهم من فسر أسطورة تاموراث الذي امتطي أهرمن ثلاثين سنة كما يمتطي الحصان -بأنها تعني ذلك الملك قد كبح شهواته وزجر نوازع الشر التي تحيط بسريرة الإنسان . وشاع فيهم هذا التفسير المثالي نحو القرن الخامس عشر للميلاد ولا يزال شائعا اليوم بين المفسرين . وليس في الوسع أن نقرر علي التحقيق مبلغ تأثير الديانة الإسلامية في هذا التحول . فقد نلمح هنالك علامات ضعيفة علي ابتدائه منذ عهد المجوس الأقدمين ..) .
ولا بد أن نلاحظ هنا أن المهم هو تهيؤ الذهن للتوحيد ،وليس المهم هو ما قصده الإنسان في نيته وعمله فعلا في هذا السبيل .