فهرس الكتاب
فلا الحقائق الدينية ولا الحقائق العلمية يقدح فيها ما قصده العقل أو قصدته النوازع النفسية قبل الوصول إليها .
فإن الإنسان قصد تسيير السفن وتنظيم الملاحة فعرف الفلك ورصد ظواهر السماء ، وقصد قياس المزارع فعرف الهندسة ، وقصد الذهب فعرف الكيمياء ، وقصد الشعوذة فعرف الطب ، وبدأت بالفلسفة من بداءات أعجب من بداءات الأديان ، ولم يحسب ذلك عيبا علي الحقائق التي انتهي إليها من هذا السبيل .
فالمهم في الأطوار الدينية هو الحافز الدائم الذي لزم النوع الإنساني من أقدم عصوره ، وهو الوجهة القويمة التي يسعي إليها ويقترب منها ، ولا تزال بداهة الفطرة سابقة فيها لأشواط العقل في مضمار الفلسفة والتفكير . وهذه هي معجزة الجهود الدينية عند الالتفات إليها وإمعان النظر فيها . فإن عقول الفلاسفة أقدر علي التأمل من بداهة الجماعات ، ولكن الذي رأيناه في تاريخ الفلسفة قديما وحديثا أنها أخذت من بداهة الجماعات أساسها المتينة ولم ترتفع إلي ذروة أعلي من التي ترقي إليها الضمير بعقيدة التوحيد والتنزيه ، ونفهم هذا عقلا إلا علي أعتبار واحد ، وهو أن هداية الله تأخذ بيد الإنسان خطوة فخطوة في هذا المرتقي الوعر . فيهتدي في كل مرحلة من مراحلها بمقدار .
لقد آمن الإنسا بالإله الواحد من طريق العقيدة قبل الميلاد بأكثر من عشرة قرون ، ولكنه لم يعرف (السبب الأول) من طريق الفلسفة إلا حوالي القرن الرابع قبل الميلاد . وكان جل اعتماده في ذلك علي الدين .
فمن الدين تلقي الفلاسفة فكرتهم عن الروح ، ومن الدين تلقوا فكرتهم عن بطلان الظواهر المادية ، ومنه تعلموا التفرقة بين العقل والمادة فتعلموا كيف ينفذون إلي ما وراء الحس ويوغلون في تصفية كنه الموجودات إلي أعماق لا تغوص فيها الأجسام وآفاق لا تدركها الأبصار .