فهرس الكتاب
وقد استعاروا من الأديان الأولي عقائد المؤمنين بها في تعليل أصول الكائنات والتنبؤ عن مصيرها بعد وفاء آجالها من الوجود . فقالوا إن السماء والأرض خلقتا من الماء ، وقالوا بالدورات الكونية التي تبدئ العالم وتعيده كرة أخري علي طويل الأدهار والآباد ، وقالوا بالحساب والعقاب كما قال سابقوهم من المتدينين ، وفهموا أن قدرة الله تخالف قدرة القوي المادية التي تعمل بالجهد والعناء ... فتعلموا أن الله يخلق بالكلمة أو المشيئة فيفعل ما يريد . وأخذوا من الديانات القديمة صوابها وخطأها وحقائقها وأوهامها ، ثم محصوها فلم يجاوزوا بالتمحيص والتمحيض آفاق الإيمان بوحدانية الله .
وإننا لنحسب أن الاهتداء إلي القوة الروحية أو قوة العقل هو أعلي ما ارتفع إليه فكر الإنسان وضميره ، بإلهام الدين وبحث الفلسفة والعلوم .. فليست القوة كثافة ولا مادة مجسمة للعينين واليدين . وأن القوة المادية نفسها حين تدخل في حساب العقل لهي أقرب إلي أن تقاس بالأرقام والتقديرات من أن تقاس بالثقل والضخامة . بل الثقل نفسه ليس هو إلا معني من المعاني نسميه بالجاذبية ونقيسه بالتقديرات الرياضية .
ولهذا نستكبر علي البادئين بهذة الفكرة المنزهة قبل عشرات القرون أنهم وثبوا إليها وثبة واحدة وقصدوا بها ما نقصده اليوم حين نتكلم في الفلسفة تارة ونتكلم في العلوم الطبيعية تارة أخري .
يتبع
ونتخذ من تطور هذه الفكرة مثالا للأساليب الإنسانية في الوصول إلي حقائق الأشياء ، ودليلا علي القاعدة التي نقررها لوزن الأطوار الدينية بميزانها الصحيح ، وهي أن العبرة بالوجه التي تحركنا إلي تلك الوجهة ، وإن قصد الإنسان لا يعبر تمام التعبير عن قصد القضاء الذي يسيره ويغريه بالعمل والاجتهاد .
فنحن نرجح أن العقل خطر له أن الله يخلق بكلة ولا يخلق بجهد من جهود الحركة المادية - قد استعار هذه الفكرة السامية من شيء رآه لا من شيء بحثه واستقصاه .