الصفحة 90 من 112

وأقرب هذه الأشياء المرئية إليه هي قدرة الساحر علي التأثير بكلمة يقولها والسيطرة علي الأجسام والأجرام الضخام بالهمهمة والتعزيم ، وهي ضرب الكلام .

والله أقدر من الساحر . فإذا قدر الساحر أن يحرك صخور بكلمة ويكسر السلاح بكلمة ، ويقتل العدو بكلمة ، فأولي بالخالق الأعظم أن يملك هذه القدرة ويملك ما ه أعظم منها وأدل علي المضاء ونفاذ المشيئة ، فلا جرم يشاء فيكون ما يشاء .

فلما جاءت الفلسفة وتناولت هذه الفكرة الكبرى لم تصل إلي شوط أبعد من شوطها ولكنها وصلت إلي بداءة أقوم من بداءتها . فكان مثلها في هذا كمثل من وجد الكنز ورسم الدروب التي تتأدي إليه . وكان مثل الأسبقين كمثل من عثر بالكنز فوقع فيه . وبقي الكنز بجوهره ونفاسته لمن يسلك إليه منهجه القويم .

وسنري للفلسفة -كما رأينا للعقيدة- بدايات كثيرة كهذه البداية وتوفيقات كثيرة كهذا التوفيق .. بل سنري أن بداية الفلسفة نفسها لم تخل من توفيق بين لا بد فيه لتدبير ذويه .

فقد كان للتوفيق يد ملحوظة في زمان الفلسفة ومكانها فبدأت حوالي القرن السادس قبل الميلاد في العصر الذي بلغت فيه الديانات القديمة أقصي آمادها من تصور الفكرة الإلهية والعقيدة الروحية ، وكان ذلك العصر هو عصر النضج والتمام في الديانة الإسرائيلية وهي آخر الحلقات في السلسلة القديمة وأول الحلقات في سلسلة جديدة من ديانات الوحي والأنبياء ، أو الديانات الكتابية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت