الصفحة 91 من 112

أما كان الفلسفة اليونانية فهو رقعة من الأرض علي اتصال بأبناء كل دين قديم من توخم الهند إلي ضفاف النيل ، وزاد اتصالها بتلك الأمم زحوف الفاتحين وجموع المهاجرين ، تارة من المشرق إلي المغرب وتارة من المغرب إلي المشرق .. فكان اليونان في آسيا الصغرى يعرفون عبادات المجوس والبابليين والمصريين واليهود ، وكان روادهم ينتقلون بينالأقطار فيعرفون فيها ملا يعرف في بلادهم من الخفايا والأسرار . وساعدهم الحظ فخلت بلادهم من الكهانات الراسخة التي تستأثر بالتفكير في مسائل الكون ومسائل العقيدة . لأن الكهانات الراسخة إنما تقوم مع العروش العريقة علي أودية الأنهار الكبار ، كمصر والعراق وبعض الأقاليم الهندية . ولم يكن في أرض يونان كلها نهر تتأثل عليه دولة شامخة وكهانة مستقرة . فطرقوا أبواب الفكر أحرارا غير محجمين عن معضلة معقدة ولا مناقدين لإمامة متحكمة . فاختاروا فيما أخذوه واختاروا فيما نبذوه وتزودوا من رسالة الإيمان لرسالة البحث في الحكمة والعلوم .

وهم -علي إعفائهم من سلطان الهياكل العريقة- لم تخل فلسفة لهم قط من فكرة دينية في أساسها أو في مضامينها .. ولا استثناء في ذلك لأكبرهم وأقدرهم ، وهم سقواط وأفلاطون وأرسطو . فإن طلاقة أرسطو في مباحثه العلمية والفلسفية لم تخرجه من سلطان الفكرة الدينية في القول بالهيولي والحركة الأولي . فلولا الإيمان بالخالق والمخلوق والروح والجسد لما خلص أرسطو إلي الصورة والمادة بين العقل والهيولي .

وأول المشهورين من فلاسفة اليونان طاليس المليطي الملقب بأبي الحكماء . وكان يقول كما قالت الأديان من قبله أن الماء أصل كل شيء ، وأن الروح تحرك المادة ، فما من متحرك إلا وهو ذو روح أو منقاد لذي روح . ولا يستطيع المغناطيس مثلا أن يجذب الحديد إلا بروح فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت