فهرس الكتاب
ويظن شارحوه أنه قال بأصالة الماء لأنه رأي النطفة سائلة ورأي النبات الرطب يدخل الجسم فينقلب فيه إلي حرارة حيوانية ، ووهم أن الارض سابحة علي الماء ، وأن الشمس تخرج منه وتعود إليه . فإذا غلظ فهو أرض وإذا رق فهو بخار أو نار وهواء .
والعالم علي زعمه مملوء بالأرباب ، وهي التي تحرك فيه كل متحرك من الحي والجماد .
وجاء بعده انكسماندر -ولعله من هذا الطراز- فقال أن الأشياءكلها تخرج من مادة أولية ولكنها ليست الماء ولا النار ولا الهواء ولا التراب . لأن الماء لو كان أصلا لهذه العناصر لغلب عليها وطواها ، وكذلك التراب والهواء فهي إذن سواء كلها في الانتساب إلي أصل أقدم منها وهي تتزاوج وتتمازج ويود كل عنصر منها أن يجور علي صحة غيره في الوجود . فإذا خرج بها الشطط عن سواء الاعتدال عادت كلها إلي معدنها الأول وزالت الفوارق بين الأجسام والأحياء لتعود إلي الوجود من جديد ،وهكذا دواليك في حركة دائمة لا انقطاع لها منذ القديم إلي غير نهاية . فهو علي هذا دورات كونية كالدورات التي قال بها الهنود البابليون .
ويقول انكسماندر بالتطهير والتفكير في دورات الخالق المتعاقبة كما يقول بهما الهنود .. (فإلي المعدن الذي خرجت منه الأشياء تعود كرة أخري كما قضي عليها ، تكفيرا وترضية عن جور بعضها علي بعض ، وفقا لقضاء الزمن) .
وهو يقول بخروج الإنسان الأول من الماء وطين البحر ، ولكنه يستبعد خروجه دفهة واحدة لأنه في طفولته ضعيف غير مستغن عن الحضانة والكفالة . وكان الأقدمون يزمعون أن سمك (القرش) يقذف جنينه من فيه ثم لا يزال يبتلعه ويقذفه في كل مرة أكبر مما قبلها حتي يبلغ أشده فيرسله في الماء ولا يعود إلي ابتلاعه .. فخطر لانكسماندر أن الإنسان الأول ربما خرج من جوف من حيوان آخر علي هذه الوتيرة ، ولا يبعد أنه استعار هذا الخاطر من أساطير أهل بابل وما يرونه عن (الإنسان) المائي الذي يتألف من نصف إنسان ونصف حوت .