الصفحة 93 من 112

ظاهر من أقوال انكسماندر أن مسألة الخلق عنده هي مسألة تحول من شكل إلي شكل ومن صورة إلي صورة وليست مسألة إنشاء أو أحداث بعد عدم . وأن المادة الأولية التي تئول إليها جميع الموجودات هي كذلك مصدر الأرباب وأنصاف الأرباب ، ومصدر المحركات والمتحركات ، ولا مهرب لرب أو مربوب من الفنان آخر الأمر في معدنها الأصيل ، وهذا بعينه مذهب الهنود كما قدمناه .

ولم يزد أناكسمين . تلميذ انكسماندر -شيئايذكر عن أقوال أستاذه في باب المعرفة الإلهية . وإن كانت له تخمينات قيمة من الجاذبية والذرات وتعريفات الحركة ، وقد ختمت به مدرسة مليطية ومات في الربع الأخير من القرن السادس قبل الميلاد .

وكأنما كانت مدرسة مليطية نفخة في بوق مسموع في طليعة جند الحكمة ، لاسيما الحكمة الإلهية . فإن آسيا الصغري وما حولها أنجبت في الجيل التالي لجيل طاليس وزملائه طائفة من أعظم الفلاسفة أثرا في مذاهب الحكمة الإلهية ، ومن هذه الطائفة أكسينوفان وهيرقليطس وفيثاغورس وديمقراطيس وانكسغوراس .

ورسالة أكسينوفان الكبري تنحصر في أنحائه الشديد علي كل تشبيه أو تمثيل توصف به الأرباب . لأن حقيقة الإله عنده من وراء خيال الإنسان ، وإنما يتخيل الإنسان أربابه علي هيئته ويعزو إليها أخلاقا كأخلاقه وأعمالا كأعماله . ولو كان للحصان يد تحسن التصوير وسئل أن يصور إله لصره حصانا مثله ، ولو تخيل الاثيوبي ربه لتخيله أسود أفطس علي مثاله . وهيهات للعقل البشري أن ينفذ إلي الحقيقة الإلهية أو يقاربها بعض المقاربة . فكل ما قيل عنها وما سيقال قد يكون فيه الصواب او بعض الصواب . ولكنها مصادفة يجهلها القائل ولا يقيسها السامع بقياس معلوم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت