الصفحة 94 من 112

أما هيرقليطس فاعله أعظم هؤلاء الأربعة أو أعظم فلاسفة آسيا الصغرى علي الإطلاق .. ويرجع أن هيرقليطس اتصل ببعض الآرميين أو بعض اليهود . لأن الآرميين الذين تهودوا كان من عاداتهم -كما تبين من ترجمتهم للتوراة المعروفة بالترجوميم- أن يذكروا كلمة الله (ممرا) Memra والحضور (شكينة) من السكن أو مكان الحضور ... وينسبون إليها أعمال الله في مقام الإسارة والتعظيم . فيولون حضرة الله كما يقولون كلمة الله وهم يعنون الإله ويؤثرون الإشارة إليه تعضيما له عن الذكر الصريح ، ومثل هذا شائع إلي اليوم في اللغات الشرقية التي تذكر الحضرة وتعني صاحب الحضرة وتذكر الأمر والكلمة وتعني صاحب الأمر والكلمة .. فكلمة الله علي هذا المعني ترادف أمر الله عند الآرميين واليهود .

وكان هيرقليطس يقول إن الكلمة Logos هي مساك الوجود كله ، وانها هي النطام الذي يحيط به ويتغلغل فيه ، وإنها لا تصنع إلا الصالحين من الأمور (فعند الله كل شيء جميل وخير ، ولكن الناس هم الذين يعتبرون بعض الأمور من الخير وبعضها من الشر) .

وتكاد الكلمة عنده أن تكون مرادفة لمعني الله . فهي النظام الذي يضع كل شيء في موضعه . وكذلك الله (هو النهار والليل والشتاء والصيف ، والحرب والسلم ، والشبع والجوع ، ويتخذ الأشكال والمظاهر علي اختلاف . كالنار وهي تمتزج بالأبازير فيسمي كل منها باسمه لا باسم النار) .

والاختلاف هو أساس الانسجام والنظام . فلولا النقائض لما كان النغم المنسجم ولولا التعدد لما كانت الوحدة: (فكل شيء يأتي من الأحد ، والأحد يأتي من كل شيء .. ولكن الكثرة دون الوحدة في الوجود الحقيقي ، وذلك هو الله) .

لكن هيرقليطس لا يقول بالخالق ولا بحاجة الموجودات إلي موجد . (فهذه الدنيا التي هي سواء للجميع لم يخلقها أحد من الآلهة ولا من الناس ، ولكنها كانت منذ الأزل وتكون الآن وتظل كائنة في كل زمان . نارا خالدة تتقد بحساب وتنطفئ بحساب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت