الصفحة 47 من 88

وجمهور الناس فالمرجع في حل هذا النزاع هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وبيَّن الله تبارك وتعالى أن هذا هو مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر.

ثم تعجب سبحانه من قوم يزعمون ـ كاذبين ـ أنهم آمنوا بالله تعالى وبكل ما أنزله الله تعالى على رسله صلوات الله عليهم أجمعين، وهم مع ذلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ـ ومنهم الحكام المبدلون لأحكام الله تعالى والحاكمين بغير شريعة الله ـ.

ثم بيَّن تعالى أنه ما أمر هؤلاء ـ الحكام والمحكومين ـ إلا بأن يكفروا بكل هذه الطواغيت المعبودة من دون الله تعالى، ثم أقسم سبحانه وتعالى بنفسه الشريفة المعظمة أنه لا يصح إيمان أحد حتى يُحَكِّم النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ وهو المبلغ عن الله تعالى ـ في كل شيء كبيرا كان أو صغيرا، ثم لا يكون في نفسه ضيق أو حرج من حكم الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ثم لا بد أن يضم إلى ذلك الرضا التام والتسليم الكامل المطلق لحكم الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .

فمن لم يتحاكم إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في كل شيء فليس بمؤمن، ومن كان في صدره ضيق أو حرج ولم يُسَلّم لحكم الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فليس بمؤمن كذلك، بل لا يكون مؤمنا حتى يرضى بحكم الله ورسوله، ويسلم تسليما كاملا لحكم الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .

قال ابن كثير رحمه الله: أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ، فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر...إلى قوله رحمه الله: قوله تعالى (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا)

هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله.

كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمدا، وذاك يقول بيني وبينك كعب بن الأشرف، وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهر الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هنا...إلى قوله رحمه الله:

يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له ظاهرا وباطنا.

ولهذا قال (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) ، أي إذا حكموك يطيعونك في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت