فهرس الكتاب
يضلونكم فيردوكم بعد تصديقكم رسول ربكم وبعد إقراركم بما جاء به من عند ربكم كافرين.اهـ [1]
قال أحمد شاكر رحمه الله: وقد وقع المسلمون في هذه العصور الأخيرة فيما نهاهم الله عنه من طاعة الذين كفروا، فأسلموا إلى الكفار عقولهم وألبابهم، وأسلموا إليهم في بعض الأحيان بلادهم، وصاروا في كثير من الأقطار رعية للكافرين من الحاكمين، وأتباعا لدول هي ألد الأعداء للإسلام والمسلمين، ووضعوا في أعناقهم ربقة الطاعة لهم، بما هو من حق الدولة من طاعة المحكوم للحاكم، بل قاتل ناس ينتسبون للإسلام من رعايا الدول العدوة للإسلام إخوانهم المسلمين في دول كانت إسلامية إذ ذاك، ثم عم البلاء فظهر حكام في كثير من البلاد الإسلامية يدينون بالطاعة للكفار عقلا وروحا وعقيدة، واستذلوا الرعية من المسلمين وبثوا فيهم عداوة الإسلام بالتدريج، حتى كادوا يردوهم على أعقابهم خاسرين، وما أولئك بالمسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون. اهـ [2]
المناط الثاني: عدم الرضا بحكم الله تعالى أو الإعراض عنه أو إرادة التحاكم أو التحاكم الفعلي إلى غيره.
تقدم في المناط الأول بيان أن من أعطى لغير الله حق الطاعة المطلقة فقد أشرك هذا الغير مع الله تعالى، وفي هذا المناط نبين إن شاء الله تعالى بالتفصيل أن من لم يرض بحكم الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - صار كافرا مرتدا، سواء عبر عن عدم الرضى هذا بلسانه، أو أعرض عن حكم الله تعالى بعد أن دعي إليه، أو أراد التحاكم إلى غير الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أو تحاكم فعلا إلى حكم الجاهلية، فكل ذلك كفر وخروج عن الدين، وهذا هو المناط المكفر الثاني في مسألة الحكم والتشريع، وأما الأدلة على ما سبق فهي:
الدليل الأول ...
قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا) إلى قوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) [3]
فقد أمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآيات الكريمات بطاعة الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - طاعة مطلقة وأمر بطاعة أولي الأمر من العلماء والأمراء الحاكمين بشريعة الله تعالى [4] ، وإن حدث نزاع أو خصومة بين أولي الأمر
(1) تفسير الطبري، ج 7 / 60.
(2) عمدة التفسير، ج 3 / 15 .
(3) سورة النساء، الآية: 59 ـ 65.
(4) قيد الله تعالى من يُطاعون من الأمراء بقوله تعالى (وأولي الأمر منكم) أي من المؤمنين، فلا طاعة إلا للحاكم المسلم الذي يقيم شرع الله ودينه، أما إذا كفر الحاكم بأن ترك حكم الله تعالى أو حكم بغير ما أنزل الله تعالى أو والى الكفار ونصرهم على المؤمنين أو استهزأ بدين الله وشرعه فلا سمع له ولا طاعة، وإنما يجب القيام عليه وخلعه، كما سيأتي بيانه إن شاء الله في المبحث الخاص بأصناف الحكام وأحكامهم.