الصفحة 50 من 88

يحكموا فيكم بحكم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا يتطرق إليه الخطأ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

وخضوع الناس ورضوخهم لحكم ربهم خضوع ورضوخ لحكم من خلقهم تعالى ليعبدوه، فكما لا يسجد الخلق إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه، ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب أن لا يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلا لحكم الحكيم العليم الحميد الرءوف الرحيم دون حكم المخلوق الظلوم الجهول الذي أهلكته الشكوك والشهوات والشبهات، واستولت على قلوبهم الغفلة والقسوة والظلمات، فيجب على العقلاء أن يربأوا بنفوسهم عنه، لما فيه من الاستعباد لهم والتحكم فيهم بالأهواء والأغراض والأغلاط والأخطاء، فضلا عن كونه كفرا بنص قوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) . اهـ [1]

وقوله رحمه الله: وتقرهم عليه وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر وأي مناقضة للشهادة بأن محمدا رسول الله بعد هذه المناقضة، أي فلا كفر أشد من هذا، حتى وإن قالوا: كتاب الله خير وحق ولكنهم ألقوه وراء ظهره، ويتحاكمون ويحاكمون ويلزمون الناس بهذه القوانين الملفقة، ففاعل هذا لا يمكن أن يكون مسلما أبدا، ومثله كمثل كفار أهل الكتاب الذين كانوا يقولون: إن محمدا صادق وإنه رسول لكنهم لا يؤمنون به ولا يتبعون شريعته، فهؤلاء كفار وإن كانوا مصدقين بنبوته ، وكذلك هؤلاء وإن قالوا بألسنتهم إنهم مسلمون فما داموا لا يحكمون بما أنزل الله فمن أين جاءهم وصف الإسلام وهم بهذا الحال وبهذه المناقضة لشهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله .

ولذلك فقد قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله في قوله تعالى (ألم تر إلى الذين يزعمون...) الآية: فمن خالف ما أمر الله به ورسوله بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله، أو طلب ذلك اتباعا لما يهواه ويريده، فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه وإن زعم أنه مؤمن، فإن الله تعالى أنكر على من أراد ذلك وأكذبهم في زعمهم الإيمان لما في ضمن قوله (يزعمون) من نفي إيمانهم، فإن (يزعمون) إنما يقال غالبا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها، يحقق هذا قوله (وقد أمروا أن يكفروا به) ، لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد - كما في آية البقرة -، فإن لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدا، والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه، كما أن ذلك بين في قوله تعالى (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) ، وذلك أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به. اهـ [2]

وقال سيد قطب رحمه الله: وفي هذا النص يبين الله سبحانه شرط الإيمان وحد الإسلام في الوقت الذي يبين فيه قاعد النظام الأساسي في الجماعة المسلمة وقاعدة الحكم ومصدر السلطات، وكلها تبدأ وتنتهي عند

(1) رسالة تحكيم القوانين / 8 ـ 10 .

(2) ) ) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ج1/492 ـ 493.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت