الصفحة 51 من 88

التلقي من الله وحده...إلى أن قال:

إن الحاكمية لله وحده في حياة البشر ما جَلَّ منها وما دق وما كبر منها وما صغر، والله قد سن شريعة أودعها قرآنه وأرسل بها رسولا يبينها للناس ولا ينطق عن الهوى فسنته - صلى الله عليه وسلم - مِنْ ثم شريعة من شريعة الله...إلى قوله رحمه الله:

(وأولي الأمر منكم) أي من المؤمنين الذين يتحقق فيهم شرط الإيمان وحد الإسلام المبين في الآية من طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإفراد الله بالحاكمية وحق التشريع للناس ابتداء والتلقي منه وحد ـ فيما نص عليه ـ والرجوع إليه فيما تختلف فيه العقول والأفهام والآراء مما لم يرد فيه نص لتطبيق المبادئ العامة في المنصوص عليه.

والنص يجعل طاعة الله أصلا وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أصلا كذلك، ويجعل طاعة أولي الأمر منكم تبعا لطاعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ليقرر أن طاعتهم مستمدة من طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، بعد أن قرر أنهم منكم بقيد الإيمان وشرطه. اهـ [1]

ولفظ الطاغوت الذي ورد في الآية قد ورد بيان معناه مفسرا في أقوال أهل العلم، ومحصل أقوالهم أنهم الشياطين ـ سواء كانوا من الإنس أو الجن ـ الذين يدعون إلى عبادة غير الله تعالى، وكل من نصب نفسه حاكما ومشرعا للناس بغير هدى من الله تعالى، وكل من دعا الناس إلى عبادته من دون الله تعالى، وكل من أطاعه الناس طاعة مطلقة بالترغيب أو الترهيب، أو دعا الناس إلى ذلك، وإن كان رأس الطاغوت الشيطان فإنه الذي يدعو الخلق إلى الشرك والمعصية في مقابلة دعوة الله تعالى إلى التوحيد والطاعة، وهؤلاء الشياطين قد يكونون من الجن كما أنهم قد يكونون من الإنس أيضا كما ذكرنا، ويدخل في معنى الطاغوت أيضا ما عُبِد من دون الله تعالى من الحجر والشجر والمقبورين إذا رضوا بذلك أو دعوا الناس إلى عبادتهم من دون الله.

فإن لفظ الطاغوت مشتق من الطغيان وهون مجاوزة الحد عموما، قال تعالى (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية) ( [2] أي لما زاد الماء عن حده حملناكم في السفينة وهي الجارية، وتختلف صور الطاغوت باختلاف الأحوال والأزمان، فكل من تجاوز وتعدى حده وخرج عن عبودية الله تعالى أو دعا الناس إلى الخروج عنها أو إلى عبادة ما سوى الله تعالى أو وضع للناس قانونا وأمرهم بالعمل به وترك أحكام الله تعالى وشرائعه فهو طاغوت يجب الكفر به وبشريعته وقانونه، ولا يصح الإسلام بغير هذا بنص القرآن.

وفي بيان معنى الطاغوت قال الطبري رحمه الله: والصواب من القول عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله تعالى فعُبد من دونه إما بقهر منه لمن عبده وإما بطاعة ممن عبده له إنسانا كان ذلك المعبود أو شيطانا أو وثنا أو صنما أو كائنا ما كان من شيء. اهـ [3]

(1) الظلال، ج 2 / 690 / 691.

(2) ) ) سورة الحاقة، الآية: 11.

(3) تفسير الطبري، ج 3 / 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت