الصفحة 59 من 88

الحكومة لهم لاعليهم جاءوا سامعين مطيعين وهو معنى قوله (مذعنين) وإذا كانت الحكومة عليه أعرض ودعا إلى غير الحق وأحب أن يتحاكم إلى غير النبي ليروج باطله، فإذعانه أولا لم يكن عن اعتقاد منه أن ذلك هو الحق بل لأنه موافق لهواه، ولهذا لما خالف الحق قصده عدل عنه إلى غيره، ولهذا قال تعالى (أفي قلوبهم مرض...) الآية، يعني لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب مرض لازم لها، أو قد عرض لها شك في الدين، أو يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم، وأيا كان فهو كفر محض والله عليم بكل منهم وما هو منطو عليه من هذه الصفات، وقوله تعالى (بل أولئك هم الظالمون) أي بل هم الظالمون الفاجرون والله ورسوله مبرآن مما يظنون ويتوهمون من الحيف والجور تعالى الله ورسوله عن ذلك. اهـ [1]

مما سبق يتبين أن التحاكم إلى غير شريعة الله تعالى كفر مخرج من ملة الإسلام بالكلية، وأن من تحاكم إلى الشرائع والقوانين التي يضعها الرجال بغير مستند من شريعة الله تعالى فهو كافر مرتد خارج عن دين الله تعالى وشرعه، وإن تحاكم إلى الشريعة فيما يوافق مطلبه وهواه، وأنه لا يجوز لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر ويخشى على دينه أن يتحاكم إلى هذه القوانين أو يكون من القضاة التي يحكمون بها أو الوزراء المنفذين لها وإلا تعرض لسخط الله وعقابه، بل الواجب على كل مسلم حسب استطاعته العمل على إزالة هذه القوانين وإبطالها وخلع الحكام القائمين عليها، وهذا واجب على كل مسلم قدر على شيء من ذلك والله أعلم.

المناط الثالث: ترك الحكم بما أنزل الله تعالى أو الحكم بغير ما أنزل الله.

وهذه المسألة ـ أعني حكم من ترك الحكم بما أنزل الله تعالى أو حكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - ـ قد وقع فيها نزاع طويل لا يزال إلى يومنا هذا، ومختصره:

* هل يكفر من ترك الحكم بما أنزل الله تعالى وحكم بغيره، أم لا بد أن يضم إلى ذلك اعتقاد عدم صلاحية أحكام الشريعة، أو اعتقاد أن غيرها أفضل منها، أو جحدها، أو استحلال الحكم بغيرها؟

* وهل الكفر الوارد في الأدلة كفر أكبر مخرج من ملة الإسلام أم هو كفر أصغر لا يخرج من الملة؟

* وهل الأدلة الواردة في هذه المسألة ـ وقد نزلت في أهل الكتاب ـ يدخل فيها المسلمون أيضا كما يدخل فيها أهل الكتاب أم لا؟ فهذه أهم المسائل المتعلقة بهذا المناط.

* والحقيقة أن ما ورد في هذه المسألة قد ورد على وجهين، فمن السلف والعلماء من تكلم عن واقعه وحاضره، فرأى من بعض الحكام جورا وظلما وأثرة وتقصيرا في تنفيذ بعض الأحكام، دون أن يقع من هؤلاء الحكام ما وقع من حكام عصرنا من تشريع الأحكام من دون الله تعالى وإلزام الناس بحكم الطاغوت، وأراد الخوارج أو غيرهم في زمانهم أن يحملوا هؤلاء العلماء على القول بموافقتهم في تكفير هؤلاء الأمراء موافقة لمذهبهم في تكفير أصحاب المعاصي والذنوب من أهل القبلة، فصرح بعدم تكفيرهم لما رآه منهم من أوجه الخير

(1) تفسير ابن كثير ج1/3، راجع: تفسير القرطبي ج12/ 319، الطبري ج18/155، فتح القدير للشوكاني ج4/45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت