الصفحة 58 من 88

علينا أن نسأل هؤلاء الذين يحكمون بغير ما أنزل الله هل تقرون بحكم الله أو لا تقرون به فتردونه؟ هل تفضلون حكم القوانين الوضعية على حكم الله أم لا؟ وذلك لأن الله تعالى قد فطر نفوس بني آدم مسلمهم وكافرهم على أن يختارا ويفعلوا الأفضل في نظرهم دائما، فالإقرارات اللفظية لا قيمة لها بجانب الاختيارات العملية، ولذلك قال العلماء: إن لسان الحال قد يكون أبلغ من لسان المقال، فالأحبار الذين جاءوا للنبي وقالوا: نشهد أنك نبي ولكنهم لم يتبعوه في شيء ولم يؤمنوا به كذابون في زعمهم تصديقه وشهاتدهم بذلك، إذ لو آمنوا به إيمانا صحيحا للزمهم اتباعه حتما.

وكذلك قد نجد من هؤلاء الطواغيت الذين يشرعون القوانين ويحكمون بها من يقول: إن أحكام الشريعة الإسلامية هي من عند الله، وقد يمدحونها ولكنهم يقدمون ما يشرعونه عليها، فلا ينفعهم إقرارهم ومدحهم هذا إذ أنهم كاذبون فيه، فلو كانوا يعتقدون أنها من عند الله حقا وأنهم عبيد لله تعالى للزمهم الحكم بها وعدم الخروج عنها، بل وما وسعهم أن يحكموا يغيرها البتة.

الدليل الثالث

قال تعالى (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون) [1]

وهذه الآية بيان إلهي ونص قرآني محكم لا يلحقه التأويل أن من لم يستجب لحكم الله تعالى حينما يدعى إليه فهو كافر ظالم، وقد يكون دفعه إلى هذا الإعراض عن التحاكم إلى الله ورسوله إلا مرض في القلب يمنعه من الانقياد لحكم الكتاب والسنة كفعل أهل الإيمان أو أنه شاك في أمر الله تعالى وحكمه أو أنهم يخاف أن يظلمه الله تعالى الحكم العدل، وأيا كان الحال فهذا الإعراض كفر وظلم أكبر وخروج عن دين الله تعالى.

وبين الله تعالى أن من هؤلاء من يسرع في التحاكم إلى الله ورسوله إن علم أن الحكم سيكون له، وأن هذا لا يكون منه إيمان لأنه لا دلالة فيه على الإذعان لحكم الله ورسوله بل لموافقته مطلبه وغرضه فحال هؤلاء المعرضين دائر بين الكفر والظلم والنفاق أعاذنا الله منه.

قال ابن كثير رحمه الله: يخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون يقولون قولا بألسنتهم (آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك) أي يخالفون أقوالهم بأعمالهم فيقولون ما لايفعلون، ولهذاقال تعالى (وما أولئك بالمؤمنين) ، وقوله تعالى (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم...) الآية أي إذا طلبوا إلى اتباع الهدى فيما أنزل الله على رسوله أعرضوا عنه واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه، وهذه كقوله تعالى (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) إلى قوله (رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) ، وقوله تعالى (وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين) أي وإذا كانت

(1) سورة النور، الآيات: 47: 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت