فهرس الكتاب
نعطيكم، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم، ثم ذكرت العزيزة فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ولقد صدقوا ما أعطونا هذا إلا ضيما منا وقهرا لهم، فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه، إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه، فدسوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما جاءوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل الله تعالى (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) إلى قوله (الفاسقون) ففيهم والله أنزل، وإياهم عني الله عز وجل، ورواه أبو داود بنحوه.
قلت: وما ذكره الشيخ أحمد شاكر هو مختصر لكل ما ذكره العلماء وأهل التفسير في أسباب نزول هذه الآيات، وفيه البيان الواضح أن ما فعله اليهود وما استحقوا أن يكونوا به كفارا هو عين ما يحدث في زماننا هذا، على أن اليهود قد فعلوه في حكم واحد وطواغيت هذا العصر قد امتدت أيديهم إلى كل احكام الله تعالى بالتبديل والتغيير.
فإذا كان اليهود قد كفروا بنص القرآن بسبب تبديلهم لحد الزنا فقط، بأن جعلوا التحميم والجلد والفضح مكان الرجم، فما حكم من أسقط العقوبة مطلقا إذا كان الزنا برضا المرأة، وما حكم من منع من إقامة أي عقوبة على المرأة الزانية إذا لم يرفع الزوج الدعوى عليها، فلا شك أنهم أولى بالكفر والردة عن دين الله تعالى، فإن ما يفعلونه أعظم مما فعله اليهود واستحقوا به حكم الكفر.
وقد قال القرطبي رحمه الله بعد أن ذكر ما قيل في أسباب نزول هذه الآيات: وقيل إنها نزلت في زنى اليهوديين وقصة الرجم وهذا أصح الأقوال رواه الأئمة مالك والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داود...ثم ذكر لفظ الحديث. اهـ [1]
وروى ابن جرير رحمه الله عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أن الآيات في المائدة من قوله (فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) إلى (المقسطين) أنما أنزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة، وذلك: أن قتلى بني النضير كان لهم شرف، وتودي الدية كاملة، وأن قريظة كانوا يودون نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء، والله أعلم أي ذلك كان، ورواه أحمد وأبو داود والنسائي بنحوه...إلى أن قال:
وقد روي عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، كما تقدمت الأحاديث بذلك، وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد فنزلت هذه الآية في ذلك كله، والله أعلم. اهـ [2] ...
وأما ما ورد عن أهل التفسير من السلف فيمن أنزلت فيهم هذه الآيات وهي المسألة الأولى:
فقد أورد الطبري رحمه الله عن حذيفة بن اليمان فيما رواه الطبري بإسناده عن أبي البختري قال: سأل
(1) تفسير القرطبي، ج 6 / 172، ط: دار الحديث.
(2) عمدة التفسير ج 4 / 184 ـ 155، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما في الدية قال أحمد شاكر عنه: رواه أحمد بإسناد صحيح في المسند: 2122.