الصفحة 67 من 88

اللفظ لا بخصوص السبب [1] ، ولذلك فقد نبه العلماء كما سبق بيانه على أن حكم هذه الآيات يعم أهل الكتاب وغيرهم من المسلمين إذا فعل فعلهم.

وقد قال القاسمي رحمه الله في تفسيره: وكذا ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس: أنها في اليهود خاصة قريظة والنضير لا ينافي تناولها لغيرهم، لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكلمة مَنْ وقعت في معرض الشرط فتكون للعموم.اهـ [2]

ولذلك فقد قال ابن كثير رحمه الله مبينا أن حكم هذه الآيات عام فيمن نزلت فيهم وفي غيرهم: نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر الخارجين عن طاعة الله ورسوله المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله عز وجل...إلى قوله: والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم فحرفوه. اهـ [3]

فحمل ابن كثير رحمه الله الآية على كل الخارجين عن طاعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - المسارعين في الكفر المقدمين آراءهم وأهواءهم على شريعة الله تعالى وحكمه، ولم يقصرها على سبب نزولها، وهذا هو الصحيح في حكم هذه الآيات.

ولذلك فقد قال إسماعيل القاضي رحمه الله في أحكام القرآن بعد أن حكى الخلاف في ذلك: ظاهر الآيات يدل على أن من فعل مثل ما فعلوا، واخترع حكما يخالف به حكم الله، وجعله دينا يُعمَل به، فقد لزمه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور، حاكما كان أو غيره. اهـ [4]

فإذا كان اليهود الذين نزلت فيهم هذه الآيات ما بدلوا إلا حكما واحدا وهو حكم رجم الزاني المحصن

(1) يستفاد هذا العموم من عدة أنواع من الخطاب:1- العموم المستفاد من خطاب آحاد المكلفين ما لم يرد نص يبين التخصيص (العموم الشرعي) ، 2-العموم اللغوي: وهو العموم اللفظي، كأن يرد الخطاب على غير سبب يعني أن يكون الخطاب عاما ليس موقوفا على سبب فهذا لا خلاف بين أهل العلم على عموميته، وأما إذا ورد الخطاب على سبب أو جواب لسائل فإن دل اللفظ على العموم فهو عام مثل قوله تعالى في حد السرقة (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ، فهذه الآية نزلت في شأن المرأة التي سرقت على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو الرجل الذي سرق رداء صفوان بن أمية، ومع ذلك فقد حمل العلماء الخطاب فيها على مجموع الأمة (راجع المذكرة/ 209) ، فأما إن كان في صيغة النص ما يبين أنه مخصوص فلا يحمل على العموم بحال، كقوله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - (خالصة لك من دون المؤمنين) ، وأما إن لم يقترن بالنص ما يدل على التعميم أو التخصيص فقد قال الجمهور من العلماء: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وعلى ذلك قامت الأدلة، فيعم حكم آية اللعان النازلة في عويمر العجلاني وهلال بن أمية، ويعم حكم آية الظهار النازلة في امرأة أوس بن الصامت، وآية الفدية النازلة في كعب بن عجرة وهلم جرا، (راجع في هذه المسألة: المستصفى للغزالى ج2/ 21، الإحكام للآمدي ج2/239، إرشاد الفحول للشوكاني/105ـ127، مذكرة أصول الفقه للشنقيطي / 248)

(2) محاسن التأويل للقاسمي، ج6 / 215، ط: دار الفكر، راجع البحر المحيط ج3/492.

(3) تفسير ابن كثير، ج2 / 85.

(4) راجع فتح الباري، ج13 / 120، ومحاسن التأويل للقاسمي، ج6 / 612.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت