الصفحة 75 من 88

رحمه الله: هشام ليس بالقوي، وقد ضعفه أيضا يحيى بن سعيد القطان وضرب على حديثه وقال: خليق أن أدعه، وضعفه على بن المديني، وذكره العقيلي في الضعفاء، وكذا ذكره ابن عدي، وقال ابن حجر: صدوق له أوهام.

وهشام بن حجير لم يرو له أهل الصحيح إلا مقرونا مع غيره، ولم يرو له أحد من أهل الصحيح استقلالا، فقد روى له البخاري رحمه الله حديثا واحدا عن طاووس، وهو حديث سليمان عليه السلام في قوله: (لأطوفن الليلة على تسعين امرأة...) الحديث، أورده في كتاب كفارة الأيمان من طريقه، وفي النكاح وقد تابعه فيه عبد الله بن طاووس [1] ، وروى له مسلم في موضعين متابعا أيضا، وقد قال أبو حاتم الرازي رحمه الله: يُكتَب حديثه، وهذه من صيغ التمريض والتضعيف عند أهل الفن، ولكن حديثه يصلح في الشواهد والمتابعات، ولا يصلح استقلالا.

وقد وثق هشام هذا ابن حبان والعجلي وابن سعد والذهبي، وابن حبان معروف عند أهل الفن بالتساهل في التوثيق، والعجلي لعله قد تابع ابن حبان على ذلك، فقد قال المعلمي اليماني رحمه الله عنه: توثيق العجلي وجدته بالاستقراء كتوثيق ابن حبان تماما أو أوسع [2] ، وقال أيضا عن توثيق ابن سعد: إن أغلب مادته من الواقدي المتروك، وقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في مقدمة الفتح في ترجمة عبد الرحمن بن شريح، وبعد أن ذكر تضعيف ابن سعد له قال: ولم يلتفت أحد إلى ابن سعد في هذا، فإن مادته من الواقدي في الغالب، والواقدي ليس بمعتمد [3] .

فالخلاصة أن هشام ضعيف الرواية إذا انفرد، وقد انفرد هنا بالرواية عن ابن طاوس عن ابن عباس، ومما يبين أن هذا الكلام مدرج من كلام ابن طاوس الأثر الذي رواه عبد الرزاق وفيه التصريح بأن هذا الكلام مدرج من كلام ابن طاوس وليس من كلام ابن عباس، والله تعالى أعلم. ...

ومع ضعف سند هذا الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما فقد عارضته رواية عبد الله بن طاووس فروى عن أبيه أنه قال: سئل ابن عباس عن قوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: هي كفر، وفي لفظ آخر: هي به كفر، وفي لفظ ثالث: كفى به كفره، وهذا الأثر رواه عبدالرزاق في تفسيره وابن جرير ووكيع في أخبار القضاة وغيرهم بسند صحيح فهذا هو الثابت عن ابن عباس.

وروى الثوري عن ابن جريج عن عطاء أنه قال: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، رواه ابن جرير، وروى وكيع عن سعيد المكي عن طاوس: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: ليس بكفر ينقل عن الملة.

فهذه النقول لا يثبت منها نقل صحيح عن ابن عباس - رضي الله عنه - فيما نعلم، فلا تكون هذه منه معارضة، ولا

(1) راجع مقدمة فتح الباري / 448.

(2) راجع الأنوار الكاشفة للمعلمي اليماني / 68.

(3) مقدمة فتح الباري / 417، ط: دار الفكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت