فهرس الكتاب
الكتاب [1] .
وهذا الكلام إن كان صحيح السند إلى ابن عباس - رضي الله عنه - فإنه لا يصح حكما، فإن جحد أي من الأحكام الشرعية الثابتة كفر باتفاق الأئمة والعلماء، سواء حكم الحاكم بغير حكم الله أم لم يحكم.
فإذا جحد الحاكم حد الزنا أو السرقة ورده ولم يقبله فهو كافر معاند لله تعالى، ومن جحد تحريم الخمر أو الربا فهو كافر معاند أيضا لا يختلف أحد من العلماء قديما وحديثا في ذلك، فجحد الأحكام كفر سواء حكم بها أم لا، وهذا في سائر الأحكام ولا يختص بمسألة ترك الحكم بما أنزل الله، فلا يشترط في تكفير من حكم بغير ما أنزل الله تعالى جحد أحكام الشريعة، إذ أن جحد الأحكام كفر بغض النظر عن الحكم بها من عدمه.
قال ابن تيمية رحمه الله: وأما الفرائض الأربع فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو كافر ، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك. اهـ [2]
وقال النووي رحمه الله: إن من جحد ما يعلم من دين الإسلا ضرورة يحكم بكفره وردته، إلا أن يكون قريب العهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه مما يخفي عليه فيعرف ذلك فإن استمر حكم بكفره، وكذلك حكم من استحل الزنا أو الخمر أو القتل، وغير ذلك من المحرمات التي يعلم تحريمها ضرورة.اهـ [3]
ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: ومنهم من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحدا له، وهو قول عكرمة [4] ، وهو تأويل مرجوح، فإن نفس جحوده كفر، سواء حكم أو لم يحكم. اهـ [5] ، هذا وسيأتي إن شاء الله تعالى الرد مفصلا على هذا القول في مبحثنا الخاص بنقد الشبهات المثارة في مسألة الحكم والتشريع من دون الله.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن ابن طاوس عن ابن عباس في قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. اهـ [6]
وهذا الأثر ضعيف من جهة الرواية، فإن مدار روايتة عند ابن أبي حاتم والحاكم رحمهما الله على هشام بن حجير وقد ضعفه كثير من علماء الجرح والتعديل، وإن كان صالحا في دينه، فقد قال فيه أحمد ابن حنبل
(1) تفسير ابن كثير، ج2 / 97، ط: دار الفكر.
(2) مجموع الفتاوى، ج 7 / 609 ـ 610.
(3) شرح صحيح مسلم للنووي ، ج 1 / 150
(4) يشعر كلام ابن القيم رحمه الله وهو الإمام الحافظ الناقد أن الأثر عن ابن عباس لا يثبت عنده، وإلا فلا يغيب عن ابن القيم قول ابن عباس وهو الإمام الجليل وترجمان القرآن إن ثبت له قول في ذلك ثم ينقل عن عكرمة مولاه.
(5) مدارج السالكين، ج 1 / 563
(6) تفسير ابن كثير، ج2 / 61.