الصفحة 73 من 88

لذلك وأنه كافر، وكذلك من علم حكم الله تعالى فعدل عنه إلى غيره فإنه كافر أيضا، وهذا الكفر هو الأكبر الذي حكم به على اليهود.

وقال ابن القيم في هذه الآية: ومنهم من تأولها على الحكم بمخالفة النص تعمدا من غير جهل ولا خطأ في التأويل، حكاه البغوي عن العلماء عموما. اهـ [1]

وما ذكره ابن القيم عن البغوي أن العلماء يحملون هذا النص على من حكم بغير الشريعة عمدا من غير جهل ولا تأويل، فإنه يؤيد أقوال الصحابة الواردة في ذلك.

وما ذكره ابن القيم أيضا أن الوعيد يتناول تعطيل الحكم بجميع شرائع الإسلام أو بعضها هو الصحيح في هذا الباب، إذ أن الوعيد توجه إلى اليهود بسبب تعطيل حكم واحد من أحكام التوراة وهو حد الرجم، فلا فرق بين تعطيل كل أحكام الإسلام أو تبديلها، أو تعطيل بعض أحكامه أو تبديل حكم واحد. ...

وفيما يدل على أن حكم الكفر الأكبر يتناول كل من عطل العمل بحكم الله تعالى سواء كان ذلك التعطيل في القليل أو الكثير قال ابن القيم رحمه الله: ومنهم من تأولها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله، قال: ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام، وهذا تأويل عبد العزيز الكناني، وهو أيضا بعيد، إذ الوعيد على نفي الحكم بالمنزل، وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه وببعضه.اهـ [2]

هذا وقد وردت بعض الروايات بخلاف ما سبق من حمل الكفر فيها على الأكبر، وذلك فيما ورد عن ابن عباس وابن طاوس وعكرمة وعطاء، وقد أوردها ابن جرير في تفسيره ونقلها عنه ابن كثير وغيره من أهل التفسير، ونحن نسوقها لفظا ثم نبين ما فيها من جهة الرواية والدراية إن شاء الله تعالى.

ومن الغريب أن كثيرا ممن يتكلم في هذه المسألة يورد ـ بقصد أو بغير قصد ـ من الآثار ما يدل على أن الكفر في هذه الآيات محمول على الكفر الأصغر مثل الأثر الوارد عن ابن عباس وابن طاوس وعطاء، ولا يورد أي أثر أو قول يدل على حملها على الأكبر مثل ما ورد عن ابن مسعود وعمر وعلي وجابر بن عبد الله والحسن وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير والسدي والشعبي وغيرهم - رضي الله عنهم - ، مع أن الآثار بحمل الكفر على الكبر أصح سندا وأقوى دلالة من الأخرى، والإنصاف يقتضي ممن يصنف أو يتكلم في هذه المسألة أن يورد كل ما ذكر فيها، ثم يتكلم عليه من حيث الرواية والدراية وهذه هي الأمانة في نقل العلم، ثم يكون الحق حيث تسوق الأدلة وتقود، لا أن يورد ما يوافق قوله ثم يكتم ما لم يوافقه، فإن هذا هو مسلك أهل البدع. ...

أما الآثار الواردة على خلاف ما ذكرنا، فقد قال ابن كثير رحمه الله: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به فهو ظالم فاسق، رواه ابن جرير ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب أو من جحد حكم الله المنزل في

(1) مدارج السالكين، ج1 / 365، ط: دار الكتب العلمية.

(2) مدارج السالكين، ج1 / 365، ط: دار الكتب العلمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت