الصفحة 84 من 88

الذين تحول شريعة الله بينهم وبين الاستغلال، أو تلك الجموع المضللة أو المنحرفة أو المنحلة التي تستثقل أحكام شريعة الله وتشغب عليها، لا تقف خشية هؤلاء جميعا دون المضي في تحكيم شريعة الله في الحياة، فالله وحده هو الذي يستحق أن يخشوه والخشية لا تكون إلا لله...إلى أن قال رحمه الله:

(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) بهذا الحسم الصارم الجازم وبهذا التعميم الذي تحمله من الشرطية وجملة الجواب بحيث يخرج من حدود الملابسة والزمان والمكان وينطلق حكما عاما على كل من لم يحكم بما أنزل الله في أي جيل ومن أي قبيل، والعلة هي التي أسلفنا هي أن الذي لا يحكم بما أنزل الله إنما يرفض ألوهية الله فالألوهية من خصائصه، ومن مقتضاها الحاكمية التشريعية ومن يحكم بغير ما أنزل الله يرفض ألوهية الله وخصائصها في جانب ويدعي لنفسه حق الألوهية وخصائصها في جانب آخر ومإذا يكون الكفر إن لم يكن هو هذا أو ذاك؟ إن المماحكة في هذا الحكم الصارم الجازم العام الشامل لا تعني إلا محاولة التهرب من مواجهة الحقيقة، والتأويل والتأول في مثل هذا الحكم لا يعني إلا محاولة تحريف الكلم عن مواضعه، وليس لهذه المماحكة من قيمة ولا أثر في صرف حكم الله عمن ينطبق عليهم النص الصريح الواضح الأكيد.اهـ [1]

المناط الرابع: تشريع أحكام لم يأذن بها الله تعالى وتبديل أحكام الشريعة.

تقدم في المناط السابق بيان أن ترك الحكم بما أنزل الله تعالى من المناطات المكفرة في مسألة الحكم والتشريع، وأن الكفر المعني في هذا الباب هو الكفر الأكبر المخرج من الإسلام جملة، ونبين في هذا المناط إن شاء الله تعالى أن تشريع الأحكام للناس دون اهتداء بهدي القرآن والسنة كفر مخرج من ملة الإسلام بالكلية، كما يفعله الآلهة المشرعون في البرلمانات الشركية الطاغوتية، وكذلك يكون الحكم في إبدال أحكام القوانين الوضعية الكافرة محل قوانين السماء العادلة، أما الأدلة على ذلك:

الدليل الأول

قال تعالى (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) ) [2]

فقد حكم الله تعالى على من شرع للناس أحكاما لم يأذن بها الله تعالى ـ وما أكثرهم ـ أنهم كفار قد نصّبوا أنفسهم ألهة مع الله تعالى، وقد عبر القرآن بلفظ الشركاء الذي يعني أنهم زاحموا الله تعالى في أخص صفات ألوهيته وهي صفة الحكم والتشريع وفصل الخصومات بين الخلق، وأن من سوغ لهم ذلك قد اتخذهم شركاء مع الله كذلك، وفي هذا بيان لا تأويل له على كفر من نصّب نفسه مشرعا للأحكام من دون الله تعالى أو دعا الناس إلى أن يقبلوا تشريعه المخالف للوحي السماوي.

قال ابن تيمية رحمه الله: قال تعالى (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) فمن ندب إلى

(1) الظلال، ج 2 / 897 ـ 898.

(2) سورة الشورى، الآية: 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت