الصفحة 85 من 88

شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله: فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكا لله، شرع له من الدين ما لم يأذن به الله.اهـ [1]

وقال ابن تيمية رحمه الله أيضا: ومن بدل شرع الأنبياء وابتدع شرعا، فشرعه باطل لا يجوز اتباعه، كما قال تعالى (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) ، ولهذا كفر اليهود والنصارى لأنهم تمسكوا بشرع مبدل منسوخ .اهـ [2]

وقال أيضا رحمه الله: الشرع المنزل من عند الله تعالى وهو الكتاب والسنة الذي بعث الله به رسوله، فإن هذا الشرع ليس لأحد من الخلق الخروج عنه، ولا يخرج عنه إلا كافر. اهـ [3]

قلت: والخروج عن الشرع هو بعدم الالتزام بأحكامه وهو كفر، فكيف بمن شرع ما يضاد أحكامه والتزم الحكم بها بين الناس، بل وألزم الناس بها وعاقب من خرج عليها؟ لا شك أنه كافر كافر. ...

قال ابن كثير رحمه الله: وقوله جل وعلا (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) : أي هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأموال الفاسدة. اهـ [4]

قال ابن حزم رحمه الله: فإن كان يعتقد أن لأحد بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحرم شيئا كان حلالا إلى حين موته عليه السلام، أو يحل شيئا كان حراما إلى حين موته عليه السلام، أو يوجب حدا لم يكن واجبا إلى حين موته عليه السلام، أو يشرع شريعة لم تكن في حياته عليه السلام، فهو كافر مشرك حلال الدم والمال حكمه حكم المرتد ولا فرق. اهـ [5]

وقال ابن حزم أيضا: وأما من ظن أن أحدا بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ينسخ حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحدث شريعة لم تكن في حياته عليه السلام، فقد كفر وأشرك وحل دمه وماله ولحق بعبدة الأوثان، لتكذيبه قول الله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) وقال تعالى (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) ، فمن ادعى أن شيئا مما كان في عصره عليه السلام على حكم ما، ثم بدل بعد موته فقد ابتغى غير الإسلام دينا، لأن تلك العبادات والأحكام والمحرمات والمباحات والواجبات التي كانت على عهده عليه السلام، هي الإسلام الذي رضيه الله تعالى لنا، وليس الإسلام شيئا غيرها.

(1) اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية / 267، ط: المدني.

(2) مجموع الفتاوى، ج 35 / 365.

(3) مجموع الفتاوى، ج 11/ 262، راجع الفتاوى الكبرى ج5/339 الرسالة التسعينية.

(4) تفسير ابن كثير، ج 4 / 167، ط: دار الفكر.

(5) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم، ج1 / 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت