الصفحة 67 من 398

وما تنازع فيه المتأخرون [1] نفيا وإثباتا؛ فليس على أحد بل ولا له أن يوافق أحدا على إثبات لفظه أو نفيه حتى يعرف مراده، فإن أراد حقا قبل، وإن أراد باطلا رد، وان اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقا ولم يرد جميع معناه؛ بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى.

كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك، فلفظ الجهة قد يراد به شئ موجود غير الله، فيكون مخلوقا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السماوات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم، ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه، كما فيه إثبات العلو والاستواء والفوقية والعروج إليه، ونحو ذلك، وقد علم أن ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق سبحانه وتعالى، ليس في مخلوقاته شئ من ذاته، ولا في ذاته شئ من مخلوقاته، فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شئ موجود مخلوق فالله ليس داخلا في المخلوقات.

أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟

فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات.

(1) يقصد ابن تيمية بالمتأخرين من هم في طبقة الأشعري والغزالي وأبوالمعالى والرازي وأمثالهم من حدود أواخر المائة الثالثة فما بعد، سواء كان من أهل السنة أم من غيرهم، وأما المتقدمين فهم طبقة الإمام أحمد وابن خزيمة والبخاري ومسلم وابن حبان وغيرهم من سلف هذه الأمة إلى عهد الصحابة رضي الله عنهم. كما جاءت بها الأحاديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت