فهرس الكتاب
إثبات الحد يوهم إحاطة الملائكة بالله تعالى، فاشتغل برده وتأويله. وكلام الإمام ابن أبي العز رحمه الله بخلافه، والقحطاني ظنه موافقًا للأول، وليس كذلك. وإليك التحقيق في المسألة.
فقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله في"درء تعارض العقل والنقل" [1/ 255 - 257] قول الإمام أحمد رحمه الله: )) نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حدٍّ ولا صفة يبلغها واصف، أو يحده أحد ... وهو كما وصف نفسه، وليس من الله شيء محدود، ولا يبلغ علم قدرته أحد (( .
وقوله في موضع آخر: )) ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء (( .
وقوله في موضع آخر: )) فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء. فنعبد الله بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه ... فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه وله ... وما وصف به نفسه من كلام ونزول، وخلوه بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه، هذا كله يدل على أن الله تبارك وتعالى يرى في الآخرة، والتحديد في هذا كله بدعة، والتسليم لله بأمره بغير صفة ولا حد، إلا ما وصف به نفسه ... وهو على العرش بلا حد كما قال تعالى: {ثم استوى على العرش} .. ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبتثبيت القرآن، لا يصفه الواصفون، ولا يحده أحد، تعالى الله عما تقول الجهمية والمشبهة (( .
قال شيخ الإسلام في تعليقه على تلك الأقوال: [وقوله )) بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد (( ، نفى به إحاطة علم الخلق به، وأن يحدوه أو يصفوه على ما هو عليه، إلا بما أخبر عن نفسه، ليبين أن عقول الخلق لا تحيط بصفاته، كما قال الشافعي في خطبة الرسالة: ) )الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه (( . ولهذا قال أحمد: ) )لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية (( فنفى أن يدرك له حد أو غاية.
وما في هذا الكلام من نفي تحديد الخلق وتقديرهم لربهم وبلوغهم صفته، لا ينافي ما نص عليه أحمد وغيره من الأئمة، كما ذكره الخلال أيضًا، قال: حدثنا أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد الله، لما قيل له، روى علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك، أنه قيل له: كيف نعرف الله عز وجل؟ قال: على العرش بحد.