هذه العوامل المتداخلة لم تمنع الباحث الفرنسي ستيفن لاكرويس -أستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس- من دراسة هذا التيار الذي فضل أن يصفهم بالدعاة الجدد في السعودية، مشيرًا إلى أن السنوات القليلة الماضية في السعودية شهدت ظهور اتجاه جديد ممثل بشخصيات إسلامية وليبرالية سابقة من السنة والشيعة تدعو لتغيير ديمقراطي ضمن إطار إسلامي، من خلال إعادة قراءة المذهب الوهابي الرسمي.
وقد تمكنت هذه النخبة من المفكرين من إثبات وجودها على الساحة المحلية من خلال سلسلة من البيانات والعرائض، حتى إن مشروعهم لقي تجاوبًا داخل العائلة المالكة نفسها. وبالفعل فقد اتخذت الحكومة منذ ذلك الوقت عدة خطوات تمهيدية باتجاه الإصلاح السياسي والديني. ولكن هل يعني هذا أن السعودية على وشك دخول حقبة ما بعد الوهابية؟
ويعزو الباحث الفرنسي سبب نشوء هذا التيار إلى أسباب مكشوفة ومتداولة، وهي أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وموجة الانفتاح التي تمر بها البلاد خصوصًا بعد تعميم الإنترنت، وافتتاح منتدى الوسطية، ومنتدى طوى، وهما الموقعان اللذان أشار إليهما الباحث على أنهما بداية لمرحلة جديدة في بناء نسيج المجتمع السعودي، كما لم ينس أن يؤكد على دور أحداث الحادي عشر من سبتمبر والضغوط الغربية التي تعرضت لها السعودية.
ويجمع لنا ستيفن: (عبد العزيز القاسم، وعبد الله الحامد، ومنصور النقيدان، وحسن المالكي، ومحمد سعيد طيب، وزكي الميلاد، وجعفر الشايب) في سلة واحدة على أنهم الشخصيات البارزة في التيار الليبروإسلامي، رغم الاختلاف والتباين الشديد بين هذه الرموز التي وإن اتفقت في بعض المبادئ العامة إلا أنها لا يمكن أن تجمع في سلة واحدة، وتعتبر قيادة لتيار حديث.
لكن الباحث ستيفن يقر في ختام بحثه عن الليبرالية الإسلامية، بضبابية الرؤية نحو هذا التيار ومستقبله، الأمر الذي دفعه إلى طرح تساؤلات مفتوحة الزمن وحده هو الكفيل بالإجابة عليها، حيث يقول ستيفن:
(إن نشوء التيار الليبروإسلامي في السعودية محدثا حركة إصلاحية وَحْدوية تسعى إلى حل وسط بين الديمقراطية والإسلام يمثل تطورا مهما نحو حقبة"ما بعد الإسلامية"، وهي ظاهرة ليست مقتصرة على السعودية فقط. وبالفعل فإن هذه الحركة تذكرنا بتطور مماثل في بلدان إسلامية أخرى، كمصر على سبيل المثال؛ حيث بُذلت جهود كبيرة لإيجاد"حزب الوسط"الذي دعا إلى توحيد التيارين الإسلامي والمسيحي في منبر إسلامي ديمقراطي. وعلى كل حال فهناك -كما رأينا- عنصر مبتكر في حركة الإصلاح الليبروإسلامي، وبالفعل فبينما ركزت التيارات الإصلاحية السابقة في السعودية بشكل أساسي على التغيير السياسي؛ فإن الصفة الرئيسية للحركة الإصلاحية الجديدة هي أنها تعتبر أن الإصلاح السياسي لا ينفصل عن الإصلاح الديني.
وبعبارة أخرى فإن التحول الديمقراطي بالنسبة للإصلاحيين الليبروإسلاميين لن يحدث بدون إعادة نظر شاملة بالمذهب الوهابي. ولهذا فإن هذه النزعة الليبروإسلامية ليست فقط"ما بعد الإسلامية"، ولكن يمكن أن تكون أيضا"ما بعد الوهابية".
والسؤال الأول الذي يطرح نفسه هو: ما مدى استمرارية هذه الحركة الإصلاحية المتغايرة العناصر؟ وربما يفترض المرء أن تلك الحركة لا يمكن أن تذهب أبعد من تحقيق اتفاقية مؤقتة ومحدودة بين قوى سياسية لها أهداف مختلفة.
ومن الصحيح أيضا أن عددا من أكثر القضايا حساسية مثل إصلاح المناهج التعليمية ووضع المرأة في المجتمع السعودي لم يتم التطرق إليها بشكل كامل، ويمكن بالتالي أن تتحول إلى نقاط خلاف. ولكن الذي حاولنا توضيحه هنا أن حركة الإصلاح الليبروإسلامي بكونها أكثر من"تحالف انتهازي"هي تعبير عن تطور كبير داخل الساحة السعودية. وهذا سيضمن أنها ستظهر -إلا إذا تعرضت لضغوط قوية جدا- درجة جيدة من القدرة على الاستمرار.
أما السؤال الثاني فهو مستقبل العلاقات بين ولي العهد الأمير عبد الله والليبروإسلاميين. فلقد أظهر الأمير عبد الله حتى الآن مساندته لمشروعهم الإصلاحي، ولكن هل سيتمكن من فرض وجهات نظره على إخوته -الذين يحمل بعضهم آراء مختلفة بخصوص تلك المسألة-، مُخاطرًا بتمزيق وحدة العائلة المالكة؟ وفي النهاية: هل هو فعلا مستعد -كما يطالب الليبروإسلاميون- لتشكيل سعودية جديدة مبنية على المبدأ الشامل للأمة وليس المبدأ القاصر للوهابية؟. إن هذا سيعني بالفعل تحويل الشرعية القبلية الوهابية لسلالة آل سعود إلى شرعية وطنية عصرية،