فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 7

ويؤدي إلى تغيير جذري للتحالفات الاجتماعية السياسية. ومثل هذا التحرك يمكن أن يكون في حالة عدم الاستقرار الداخلي الحالي محفوفا بالمخاطر السياسية).

في النهاية يمكننا أن نجزم بأن كثيرًا من القضايا الفكرية العالقة المتداخلة داخل المجتمع السعودي لن تحل بالصورة السريعة وتصل إلى الوضوح والنضوج الفكري عبر الخطوات السليمة، مادام المجتمع السعودي يعيش على شكل كتلة واحدة ملتفة حول السلطة الحاكمة، التي لم تُوفر أي نسيم من أجواء المجتمع المدني -الحقيقية- الذي يساعد في إيجاد مناخ ثقافي، وحراك اجتماعي مرن يساهم في إنضاج الآراء الفكرية الناشئة وتمحيصها بكل حرية وروح سامية، وعلى هذا فإن المجتمع السعودي سيبقى حائرًا داخل صراعات فكرية لن تحل بسهولة في ظل تلاعب السياسي بالتيارات الفكرية المستقلة وإسقاط بعضها ببعض، وتوظيف بعضها لصالحه، ودعم بعضها دعمًا فجًا يظهر كمية التناقض الاستخفاف المركبة في كربونات الجو السعودي العام.

في ظل هذه البيئة المشوبة بروح القمع والاستبداد السياسي والاجتماعي، يبقى ذكاء القيادات الحركية للتيارات الفكرية داخل السعودية في ألا تنجر إلى متاهات تضعها فيها السلطة، أو تفرضها الضغوط الشعبية والأعراف الاجتماعية، حتى لا تلهيها و تبعدها عن مشروعها الأساسي أو تحرف مسارها إلى مشروع آخر تجد نفسها ملزمة بالانخراط فيه.

مقدمة في فهم ظاهرة 'الإسلاميون الليبراليون' 1/ 3

ونلحظ هنا أنه في الوقت الذي تُهزم فيه"النخب السياسية"في العالم الإسلامي، كانت"النخب الحضارية"إذا جاز التعبير، تقاوم وتنتصر، وهي الحالة التي عمقت من مشاعر ثقة المسلمين في تفوقهم الحضاري، وحالت دون بروز أية قوى ثقافية، تثير الشكوك حول قدرة هذه الحضارة على الصمود والتصدي، ومن ثم إحالتها إلى التقاعد والبحث عن بدائل"أكثر تطورا".

بقلم محمود سلطان

كان ابن خلدون رحمه الله، شديد الوعي بدور"الصدمة"التي تخلفها الهزيمة الحضارية، على شعور الأمة المهزومة بقيمتها ووزنها الحضاري. إذ لا توظف هذه"القيمة"وهذا"الوزن"، والحال كذلك، في إحياء الشعور الجماعي بضرورة الاستنهاض بها، وإنما تتحول إلى"ضحية"الاستسلام لروح الانكسار، والذي تتكاثر تجلياته وتتوالد، على نحو ربما يكون من الصعب السيطرة عليه، طالما ظلت الأجيال المتعاقبة، تراوح مكانها عند ذات"الصدمة الأولى".

هنا واستهلالا نرى أنه من الضروري التمايز بين معادلتي"الإرث الحضاري"و"الوريث الإنساني"، فالأولى يظل تواصلها وحضورها التاريخي، مرهونا على دورها الرسالي، الذي يتأسس على ثنائيتي:"الحق - الباطل"و"العدل - الظلم"، وهي المعايير التي لا يُسأل عنها إلا"الوريث"، القيّم على إعلاء قيم الحق أو معايير الهوى:"وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون"هود 117.

فالحضارة في صعودها أو سقوطها هي صنيعة الإنسان ذاته، في فساده أو صلاحه، غير أن النخبة في العالم الإسلامي، ومنذ ما يزيد عن مأتي عام، ترى في مراجعتها لذاتها، عكس هذه السنة الاجتماعية الثابتة، وتسلك سبل المراجعة، على طريقة نقد جدلية"ماركس"المادية لنظرية"هيجل"، عندما زعم الأول أنه أعاد اعتدال الثاني على قدميه!.

المثقفون العرب عمدوا إلى تبرئة الإنسان العربي أو المسلم من"خطيئة الهزيمة"، وأحالوها إلى"الحضارة العربية الإسلامية"!! باعتبارها حضارة"بدوية"ناقلة لمنظومة قيم القرون الوسطى"المظلمة"، والتي باتت غير"مؤهلة"للتعايش مع الحداثة!!

وظل مفهوم الحضارة في خطاب النخبة، فضفاضا وفسيفساء واسعة تتيه فيها العقول وترتبك، وتثير من الشكوك والتساؤلات أكثر مما تجليه من إجابات والتباسات، وكأنها تناور ... تريد شيئا تخشى الإفصاح عنه.

والمشكلة أن هزيمة العالم الإسلامي العسكرية على يد نابليون بوناربرت (1798 - 181) ، لم تكن السبب الوحيد في الشعور الجمعي بالانكسار، والذي امتد ليشعل الحرائق حول"الحضارة الإسلامية"،وإنما بسبب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت