الصفحة 82 من 120

ولكن ماذا عن حالة المولد فيما مضى؟ يصف المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي أحد الموالد على عهده منذ حوالي مئتي عام، فيقول:"ينصبون خيامًا كثيرة، وصواوين، ومطابخ، وقهاوي، ويجتمع العالَم الأكبر من أخلاط الناس، وخواصهم وعوامهم، وفلاحي الأرياف، وأرباب الملاهي والملاعب والغوازي والبغايا والقرادين والحواة، فيملؤون الصحراء والبستان، فيطؤون القبور، ويبولون ويتغوطون ويزنون ويلوطون ويلعبون ويرقصون ويضربون بالطبول والزمور ليلًا ونهارًا.." (56) .

فالموالد ما هي إلا فرصة للتحلل من كل الضوابط والتفلت من كل القيود سواء أكانت أخلاقية أو شرعية أو حتى تنظيمية، حتى أصبحت كلمة (مولد) تطلق على المواقف التي تشيع فيها الفوضى وعدم الانضباط.

فالمولد فرصة لأن"تنتهك فيه حرمات النساء، وتشرب الخمور"، حتى إنه"أصبح مجال حياة الناس في الترويح عن أنفسهم ومكانًا للهو والرقص والغناء الساقط" (57) .

وفي أيام الربيع في الأردن يفد الزائرون إلى مزار (جعفر الطيار) "فترى الفتيات يرقصنَ حول المزار بأغاني مطربة ونغمات رقيقة.." (58) ..

فليس هذا خاصًا ببلد دون آخر، بل هو موجود حيثما كانت قبورية وأينما كانت موالد أو (احتفالات) أو (أعراس) للأضرحة.

وبعد:

فقد كانت هذه صورة لبعض نتائج تفشي داء تقديس القبور والأضرحة في العالم الإسلامي، والملاحظ أن هذه الصورة ما كانت إلا تعبيرًا عن الهيمنة السلبية على حياة الناس كلها، وليس هذا الحال خاصًا بمحلة دون أخرى، بل وصل الحال إلى أن أصبح"أكثر المسلمين في العالم قد عبدوا القبور بأنواع من العبادات، بل عبدوا الأشجار والغارات، وقد ارتكبوا أنواعًا من الشرك بالله - تعالى -!" (59) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت