وقد كان لموقف الأشاعرة من مسألة السببية، وإنكارهم للسنن الكونية وخصائص الأشياء الأثر البالغ في نظرتهم إلى حقيقة الإعجاز، وما يلزم عن ذلك من اللوازم، كقولهم في معنى العادة، وأن ذلك لا يرجع إلى حقيقة مطردة، وما التزموه من أن السحر من جملة الخوارق، وأنه لا فرق بين المعجزة والسحر بالنظر إلى حقيقة كل منهما، وأنه لابدّ للتفريق بينهما من تحدي النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمعجزة، وأن الساحر إذا ادعى النّبوة أو عارض نبيًا فلا بدّ أن يسلب القدرة على السحر، ونحو ذلك من اللوازم التي ترجع في جملتها إلى حقيقة واحدة وهي إنكارهم للسببية، مع أنه الأصل الذي يتميز به المعجز من غير المعجز.
ومع أن العلماء المحققين كابن حزم وابن تيمية وغيرهما قد نبّهوا على هذه الأخطاء، وحذروا منها، إلا أنه لا يوجد فيما أعلم دراسة علمية تفصل القول في الأصل الكلامي لهذه الأخطاء، ووجه التلازم بين أصل القول ولوازمه، وبيان جهود العلماء المحققين في نقد هذه الأخطاء، والأصل الذي بنيت عليه.
وتحقيقًا لهذه الغاية فقد اشتمل هذا البحث على ثلاثة مباحث، كان أولها عن مكانة دلالة المعجزة على النبوة عند الأشاعرة، وبيان خطأ ما ذهب إليه أكثرهم من القول بحصر دلالة النبوة في المعجزة، وبيان ما ذهب إليه بعضهم من اعتبار دلالات أخرى، وأن ذلك وإن كان صوابًا إلا أنهم قصروا حيث عدوا تلك الدلالات مكملة ومتمّمة لدلالة الإعجاز، مما يلزم منه التوهين لتلك الدلالات.
وأما المبحث الثاني فكان في بيان الأصل الكلامي الذي استند إليه الأشاعرة في موقفهم من دلالة المعجزة على النبوة، وهو إنكارهم للسببية وخصائص الأشياء، وما ترتّب على ذلك من الأخطاء في مفهوم العادة والخارق، وما تتميز به المعجزة، ووجه تميز الإعجاز، وما إلى ذلك.