فأنظر كيف أثبت هذا الخبر أن ما يفعله اليهود والنصارى من عبادة عزير وعيسى بن مريم عبادة باطلة مفضية إلى النار وبئس المصير ، فلو كان ما يفعلونه صحيحًا لما كان هذا مصيرهم وإنما فعل بهم هذا لأنهم خالفوا نصوص كتبهم التي أنزلها الله على أنبيائهم ، فالله عز وجل قد أخذ الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وأن ينصروه قال تعالى { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ءاتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون } [ آل عمران: 81-82 ] .
قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله:
"هذا إخبار منه تعالى أنه أخذ عهد النبيين وميثاقهم كلهم بسبب ما أعطاهم ومنَّ به عليهم من الكتاب والحكمة المقتضي للقيام التام بحق الله وتوفيته أنه إن جاءهم رسول مصدق لما معهم بما بعثوا به من التوحيد والحق والقسط والأصول التي اتفقت عليها الشرائع أنهم يؤمنون به ، وينصرونه فأقروا على ذلك واعترفوا والتزموا وأشهدهم وشهد عليهم وتوعد من خالف هذا الميثاق ، وهذا أمر عام بين الأنبياء أن جميعهم طريقهم واحد ، وأن دعوة كل واحد منهم قد اتفقوا وتعاهدوا عليها وعموم ذلك أنه أخذ على جميعهم الميثاق بالإيمان والنصرة لمحمد صلى الله عليه وسلم فمن ادعى أنه من أتباعهم فهذا دينهم الذي أخذه الله عليهم وأقروا به واعترفوا فمن تولى عن اتباع محمد ممن يزعم أنه من أتباعهم فإنه فاسق خارج عن طاعة الله مكذب للرسول الذي يزعم أنه من أتباعه مخالف لطريقه ، وفي هذا إقامة الحجة والبرهان على كل من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتب والأديان ، وأنه لا يمكنهم الإيمان برسلهم الذين يزعمون أنهم أتباعهم حتى يؤمنوا بإمامهم وخاتمهم صلى الله عليه وسلم". ( )