فهرس الكتاب
خطب على بن أبي طالب: فقال: اعلموا إنكم ميتون فمبعوثون من بعد الموت وموقوفون على أعمالكم ومجزيون بها، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، فإنها بالبلاء معروفة، وبالفناء مهفوفة، وبالغدر موصوفة، وكل ما فيها إلى زوال، وهي بين أهلها دول وسجال، لاتدوم أحوالها، ولايسلم من شرها نازلها، بينما أهلها في رخاء وسرور، إذا هم منها في بلاء وغرور، العيش فيها مذموم، والرخاء فيها لا يدوم، وإنما أهلها أغراض مستهدفة، ترميهم بسهامها، وتقصيهم بحمامها، واعلموا أنكم في هذه الدنيا أمضى سبيل من مضى من قبلكم، كانوا أطول أعمارًا، وأشد منهم بطشًا وأعمر ديارًا فأصبحت أصواتهم هامدة، وأجسادهم بالية، وديارهم خاوية، واستبدلوا بالقصور المشيدة الأحجار المسندة في القبور الملحدة، فمحلها مقترب، وساكنها مغترب، قد أصبحوا بعد الحياة أمواتا، وبعد نضارة العيش رفاتا، فجع بهم الأحباب، وسكنوا تحت التراب، وظعنوا فليس لهم مآب، فكأنكم صرتم إلى ماصاروا إليه من البلاء والوحدة في دار المثوى، فكيف بكم لو عاينتم الأمور، وبعثرت القبور، وحُصِلَ مافي الصدور، وأوقفتم للتحصيل بين يدى الملك الجليل فطارت القلوب لإشفاقها من سالف الذنوب، وهتكت عنكم الأستار، وظهرت العيوب، هنالك تجزي كل نفس ما كسبت والله يقول {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} النجم: 31
ألا إن الدنيا قد ولّت مدبرة والآخرة مقبلة ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فاليوم عمل ولاحساب، وغدًا حساب ولاعمل
تفكّر في مشيبك والمآب ودفنك بعد عزك في التراب
قال أبوالدرداء - رضي الله عنه:لوتعلمون ماراءون بعد الموت ماأكلتم طعامًا بشهوة، ولاشربتم شرابًا على شهوة، ولادخلتم بيتًا تستظلون فيه، ولخرجتم إلى الصعدات تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم.