فهرس الكتاب
وقد بيّن أحد الصالحين حال الإنسان في الدنيا برجل يمشي في صحراء فنظر خلفه فوجد أسدًا يريد أن يفترسه، فأخذ يجري حتى وجد أمامه شجرة فصعد عليها، ونظر خلفه فوجد الأسد ينتظره، ونظر في أسفل الشجرة فوجد فأران أبيض وأسود، يقرضان في أصل الشجرة، ونظر تحته فوجد بئرًا عميقًا فيه ثعبان ضخم فاغرًا فاه، ينتظر وقوعه، وبينما هو في هذه المخاطرة كلها، إذ وجد على غصن من الشجرة قرصًا من عسل النحل فأخذ يأكل منه وتناسى كل ما حوله، فهذا هو حال الإنسان مع الدنيا، أما الأسد فهو الموت والفأران هما الليل والنهار، ينقصان عمر الإنسان، والبئر الذي فيه الثعبان هو القبر، وقرص العسل هو شهوات الدنيا.
قال إبراهيم بن بشار: ما رأيت أحدًا يبغض الدنيا ولا ينظر إليها مثل إبراهيم بن أدهم، وربما مررنا على قوم قد أقاموا حائطًا أو دارًا فيحول وجهه ولا يملأ عينه من النظر إليه، فعاتبته، فقال: يابشار اقرأ ما قال الله تعالى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} هود 7، ولم يقل أيكم أحسن عمارة في الدنيا وأكثر حبًا وجمالًا، ثم بكى وقال: صدق الله وعز اسمه فيما يقول {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} الذاريات 56، ولم يقل: إلا ليعمروا الدنيا ويبنوا الدور ويشيدوا القصور، ثم أخذ يردد طيلة يومه {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} ألانعام 90،عنى الصالحون.
قال إبراهيم التميمي: مثلت نفسي في النار أعالج أغلالها وسعيرها، وآكل من زقومها، وأشرب من حميمها، فقلت يا نفس ما تشتهي؟ قالت: عمل أنجو به من العقاب، ومثلت نفسي في الجنة، مع حورها، وألبس من سندسها، وإستبرقها وحريرها، فقلت يا نفس ما تشتهي؟ فقالت: أرجع إلى الدنيا فأعمل عملًا أزداد فيه من هذا الثواب، قلت: فأنت في الدنيا وفي الأمنية.