فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 237

إن مشهد الاحتضار حين يكون الإنسان في النزع الأخير، وتكون السكرات المذهلة، ذلك الموقف العظيم والمنظر الرهيب، عندما تصل فيه روحك إلى الحلقوم تنادي بأعلى صوتك ولكن لا تستطيع الكلام، تتحرك بكل قوتك ولكن عجز جسمك عن الحركة، وتتمنى الرجوع إلى الدنيا ولكن هيهات الإفلات من قبضة الملك الجبار ذهب أهلك إلى من يداويك ولكن هذا لا ينفع الدواء، تيقنت يابن آدم من الموت لا محالة، وتلوّى المكروب من السكرات والنزع، والتفت ساق رجلك على الأخرى إيذانًا للخروج النهائي من هذه الحياه، وبطلت كل حيلة وعجزت كل وسيلة، وتبين الطريق الوحيد الذي يُساق إليه كل حي، في نهاية المطاف، حيث يساق العباد إلى ربهم للفصل والجزاء {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} فيا أبناء الدنيا، ويا أحباب الحياة ويا أرباب المعاصي والذنوب، ويامن ألهتكم دنياكم، وغرتكم أمانيكم، ويامن شيدتم الدور وخربتم الصدور، ويا من عنان الحياة ليس له عندكم منتهى، في هذا الموقف العسير، الذي يستدعي الِعبرة قبل العَبرة، هل من هذا القضاء المحتوم منجا؟ هيهات لا ملجأ ولا منجا، فهل استعددت يابن آدم للقاء الله؟

قيل الموت ثلاثة: موت النفس فيكفن في كفن العفو ويحنط بحنوط المغفرة ويدفن في مقابر أهل الجنة، وموت الروح فيكفن في كفن الفرقة ويحنط بحنوط القطيعة ويدفن في مقابر الوحشة، وموت القلب يكفن في كفن الملامة ويحنط بحنوط الندامة ويدفن في مقابر العقوبة، فمن ماتت نفسه عدم دنياه، و من ماتت روحه عدم مولاه، ومن مات قلبه عدم أخراه.

قيل لبعض الزهاد: ما أبلغ العظات قال: النظر إلى الأموات.

إنما الدنيا بلاغ ليس للدنيا ثبوت ... إنما الدنيا كبيت نسجته العنكبوت

ليس للطالب فيها كل يوم غير قوت ... كل من كان عليها عن قليل سيموت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت