فهرس الكتاب
كان يزيد الرقاش يقول لنفسه: ويحك يا يزيد: من ذا يصلي عنك بعد الموت من ذا يصوم عنك بعد الموت؟ من ذا يترضّى عنك ربك بعد الموت؟ ثم يقول: أيها الناس ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم طيلة حياتكم؟ من الموت طالبه، والقبر بيته والتراب فراشه، والدود أنيسه، وهو مع ذلك ينتظر الفرع الأكبر، كيف يكون حاله ثم يبكي ويسقط مغشيًا عليه.
مثل نفسك يا مغرور وقد حلت بك السكرات ونزل بك الأنين والغمرات، فمن قائل يقول: أن فلانًا ثقل لسانه فما يكلم إخوانه، ولا يعرف جيرانه، فكأني أنظر إليك تسمع الخطاب، ولا تقدر على رد الجواب، كم كان أخفى عليك سبيل الرشاد، وأقل اهتمامك لحمل الزاد، إلى سفرك البعيد، وموقفك الصعب الشديد، أو ما عملت يا مغرور أنه لا بد من الارتحال إلى يوم شديد الأهوال، ويعدّ عليك بين يدى الملك الديان، وما بطشت اليدان، ومشت الرجلان ونطق اللسان، وبطشت الجوارح، فإن رحمك الله فإلى الجنان، وإن عاقبك فإلى النيران.
ياغافلًا: إلى كم هذه الغفلة والتوان، أتحسب أن الأمر هيّن، يسير، كلًا فستذوق الموت وستزور القبور، فطوبى لمن سمع ووعى، ونهى النفس عن الهوى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى) النجم:41:39.
قالت أم الدرداء رضي الله عنها: ألا أخبركم بما يقول الميت على سريره؟ قيل: بلى، قالت: فإنه ينادي: يا أهلاه، وياجيراناه، وياحملة سريرى، لا تغرنكم الدنيا كما غرتني، ولا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، فإن أهلي لم يحملوا عنى من أوزري شيئًا.