فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 237

إن الدنيا مهما عظمت فهي حقيرة، ومهما طالت فهي قصيرة، واعلم بأنك راحل إلى الله جل وعلا، لا بد لك أن تلقى الله، فإذا ماقتربت ساعة الصفر، وانتهى أجلك كما حكم الله عز وجل، وأصبحت في إقبال من الآخرة، وإدبار من الدنيا، وصرت طريح الفراش، وحولك أهلك يبكون، والأطباء من حولك يحاولون، انظروا إلى حاله وإلى كربه وإلى فزعه، وقد نام على فراش الموت، اصفر وجهه، وشحب لونه، وبردت أطرافه، وتجعد جلده، وبدأ يحس بزمهرير قارس يزحف إلى أنامل يديه وإلى قدميه يريد أن يحرك شفتيه بكلمة التوحيد، فيحس أن الشفه كالجبل لا يتزحزح، إلا من يسر الله عليه، وهو في هذا الفزع يطير فؤاده، وينخلع قلبه، فإذا أفاق بين السكرات والكربات، نظر إلى من حوله من الأهل والأولاد والأحباب والأطباء، فيراهم مرّة ولا يراهم أخرى، يقتربون منه مرة ويبعدون أخرى، يسمعهم مرة ولا يسمعهم أخرى، فإذا أفاق لحظة من سكرات الموت وكرباته، نظر إليهم نظرة طويلة كلها رحمة ورجاء، نظرة كلها سؤال، وكأنه يقول لهم بلسان الحال: يا أهلي ويا أحبابي، لا تتركوني وحدي، لا تتركوني في لحدي، أنا أبوكم أنا اخوكم، أنا حبيبكم، أنا الذي بنيت لكم القصور، وعمّرت لكم الدور، هل منكم من يزيد في عمري ساعة أو ساعتين، لكن هيهات! نزل قضاء الله ولا مفر، وصار طريح الفراش، أين ريحك الطيب، أين لسانك الفصيح، أين حركتك الدائبة ما الذي أسكتك؟ إنه الموت إنه الحقيقة الكبرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت