فهرس الكتاب
فتذكر ياعبد الله إذا جاءك ملك الموت، بجنوده وأعوانه، وألقى عليك غم الموت، فغشيك ما غشيك من السكرات، وأيقنت أنك أصبحت لأهلك وأحبابك مفارق وبما قدمت من عملك الحسن أو القبيح لا حق، وذقت من عذاب الموت، مالا يستطيع أن يصفه لسان ومددت تارة وقبضت أخرى، اليدين والرجلين، وأنت في أعظم شأن، وضعفت فلم يبق فيك قوة، وأخرس منك اللسان، وتغيرت الألوان وازرقت الشفتان، ويبس اللسان، وبدأ منك عرق الجبين، واشتد بك الوجع والانين وأحدق بك الأحبة من الآباء والبنين، فلم يستطيعوا أن ينفعوك بالمال ولو إلى حين، وجوارحك يسلم بعضها على بعض للفراق والوداع، فأيقنت أنه لا سبيل للرجوع، فيموت أولًا قدماك ثم ساقك ثم فخدك، ثم عضو عضو كذلك، ثم إذا بلغت الروح الحلقوم، وتضاعفت عليك الأحزان والغموم، رفعت بصرك إلى السماء وعاينت مقعدك إما في الجنة أو النار، ويقال لك توبيخًا: أين لسانك الفصيح ما أسكته اليوم أين بدنك الحسن ما أقبحه اليوم؟ أين ريحك العطر ما أنتنه اليوم؟ أين تكبرك على الخلائق ما أذلك اليوم؟ ثم تقبض روحك، إما محسنة فترفع إلى عليين، وإما مسيئة فيهوى بها إلى سجين، ثم تصير في التراب كأنك ما عشت ساعة وما مشيت على ظهر الأرض خطوة، ولا أكلت مرة، ثم تذكر ساعة الغسل ونشر الأكفان يوم يٌقال لك توبيخًا: أيها الإنسان: أين حرصك على الدنيا وجمعها؟ قد تركتها لغيرك وبؤت بالإثم والخسران، ولم تأخذ منها سوى الحنوط والأكفان، ثم تذكر ساعة الوضع في القبر، ووضع اللحود عليك وتسوية التراب، ورجوع الأقارب عنك والأحباب، فينادى عليك بلسان الحال في القبر: عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب وضعوك وللحساب عرضوك ولو ظلوا معك ما نفعوك، لم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت.