فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 237

الشهوات، ولبس ثوب الخوف والحذر، وأخضب عينه من مطر أجفانه، وهان عليه كل مصيبة تصيبه في غير دينه وقلبه، وعلى حسب قوة هذا الشاهد يكون بعده عن المعاصي فيذيب هذا الشاهد من قلبه المعاصي والمواد المهلكة ثم يخرجها فيجد القلب لذة العافية وسرورها، فيقوم بعد ذلك شاهد من الجنة وما أعد الله لأهلها فيها ممّا لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فضلًا عما وصفه الله لعباده، وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - من النعيم المفضل الكفيل بأعلى أنواع اللذة من المطاعم والمشارب والملابس والصور والبهجة والسرور، فيقوم بقلبه شاهد دار قد جعل الله فيها النعيم المقيم الدائم بحذافيره، فإذا انضم إلى هذا الشاهد شاهد يوم المزيد، والنظر إلى وجه الرب جل جلاله، وسماع كلامه منه بلا واسطة، فإذا انضم هذا الشاهد إلى الشواهد التي قبله فهناك يسير القلب إلى ربه أسرع من سير الرياح في مهابها، فلا يلتفت يمنه ولا يسره، هذا وفوق هذا شاهد آخر تضمحل فيه هذه الشواهد ويغيب به العبد عنها كلها، وهو شاهد جلال الرب وكماله وعزه وسلطانه وقيومته وعلوّه فوق عرشه، وتكلمه بكتابه وخطابه لرسله، فإذا شاهده بقلبه شاهده قيومًا قاهرًا فوق عباده مستويا على عرشه منفردًا بتدبير مملكته، أمرًا ناهيًا مرسلًا لرسله ومنزلًا لكتبه يرضى ويغضب، ويتب ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويحب ويبغض، ويرحم إذا استرحم، ويغفر إذا استغفر، ويعطي إذا سئل، ويجيب إذا دعى، ويقيل إذا استقيل، أكبر من كل شيء، وأعز من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأقدر من كل شيء، وأعلم من كل شيء، وأحكم من كل شيء، وأقوى من كل شيء، فلو كانت قوى الخلائق كلهم على واحد منهم ثم كانوا كلهم على تلك القوة ثم نسبت تلك القوة إلى قوة البعوضة بالنسبة إلى قوة الأسد لكانت أقل، ولو قدر جمال الخلق كلهم على واحد منهم، ثم كانوا كلهم بذلك الجمال، ثم نسب إلى جمال الرب تعالى، لكان دون سراج ضعيف بجانب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت