الصفحة 34 من 120

مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ مَا عَلَّمَهُمْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَمَا أَنَّهُمْ إذَا عَلِمُوا أَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَعْرِفُوا كَيْفِيَّةَ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ , وَإِذَا عَرَفُوا أَنَّهُ حَقٌّ مَوْجُودٌ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَعْرِفُوا كَيْفِيَّةَ ذَاتِهِ , وَهَذَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ التَّاوِيلَ فَإِنَّ النَّاسَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ تَاوِيلَ الْمُحْكَمِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّةَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ فِي الْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ بِالْكَيْفِيَّةِ لَا يَنْفِي الْعِلْمَ بِالتَّاوِيلِ الَّذِي هُوَ تَفْسِيرُ الْكَلَامِ وَبَيَانُ مَعْنَاهُ؛ بَلْ يَعْلَمُونَ تَاوِيلَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ وَلَا يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّةَ الرَّبِّ لَا فِي هَذَا وَلَا فِي هَذَا) والخلاصة أن تعرف أن الهدى والحق والتوفيق إنما هو في فهم السلف الصالح، وفهمهم في هذه المسألة هو العلم بالمعنى والجهل بالكيف، والله أعلم.

الفرع الرابع:- أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن باب الأسماء والصفات لله تعالى من الأبواب التوقيفية على النص، فلا مدخل للعقول فيها، فلا يدخلون في هذا الباب متأولين بآرائهم ولا متوهمين بأهوائهم، بل هذا الباب يدور على ما أثبته الدليل، فما أثبته النص من الأسماء والصفات أثبتوه، وما نفاه نفوه، لا يتعدون القرآن والحديث، ففهم سلف الأمة أن هذا الباب لا مدخل لعقولهم فيه، لأنه باب غيبي، والمتقرر أن الأبواب الغيبية لا مدخل للعقول فيها، وليس إدراك هذا الباب على وجه التفصيل مما تستقل به العقول، هذا هو فهم السلف الصالح، وهو الحق في هذا الباب , فإنه ما دخل التيه والحيرة والمذاهب الباطلة والسؤالات العقيمة على هذا الباب إلا بسبب إقحام العقل فيه، وما ضل من ضل في هذا الباب إلا بسبب تحكيم عقله فيما هو من وراء الغيب فإن العقل لما خلقه الله تعالى خلقه ضعيفا، وله حدود وطاقة، فلا يزال تفكيره سليما ما دام داخل هذه الحدود، وأما إن أخرجه صاحبه منها فإنه يضل ويتيه، ولا يستقل العقل بمعرفة الحق لوحده بل لابد من نور الدليل ليقوده إلى شاطئ النجاة، وأما هو لوحده فلا والله لا نجاة له، لا سيما إن كان متعفنا بقواعد علم الكلام المذموم، ومتربيا على عدم تقدير سلف الأمة وأئمتها، فناهيك عن الضلال الذي سيحدثه هذا النوع من العقول، والمهم أن تعرف الآن أن السلف رحمهم الله تعالى بنوا مذهبهم في الأسماء والصفات على التوقيف على الأدلة، فليس هنا اسما نسبوه لله تعالى بمجرد عقولهم، وليس هناك صفة نسبوها لله تعالى بمجرد عقولهم، بل إثباتهم للأسماء وللصفات دائر مع النص الصحيح الصريح حيث دار، هذا مذهبهم وهذا فهمهم، وأما أهل البدع، فإنهم جعلوا مبنى الإثبات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت