الصفحة 35 من 120

والنفي في باب الأسماء والصفات على عقولهم، فما أثبتته عقولهم من الصفات أثبتوه وإن لم يرد له دليل بخصوصه، وما نفته عقولهم منها نفوه وإن وردت على إثباته الأدلة المتواترات فالاعتماد عندهم على العقل نفيا وإثباتا، وهذا باطل، وضلال، فإن العقول لو كانت تعرف ما يليق بالله تعالى من الصفات على وجه التفصيل لما احتاجت البشرية إلى إرسال الرسل وإنزال الكتب، ولما علق الهداية والصلاح على متابعة الوحي، ثم إن العقول أقصر وأحقر من أن تدخل في باب هو من أبواب الغيب، ثم إن العقول متفاوتة، فبأي عقل نزن الكتاب والسنة؟ أبعقل الأشعري الذي يثبت الأسماء وسبع صفات فقط، أو بعقل المعتزلي الذي يثبت الأسماء وينفي الصفات، أم بعقل الجهمي الذي ينكر الأسماء والصفات كلها، أم بعقل الفلاسفة الذي ينكرون دخول الإثبات في صفات الله تعالى ولا يقرون إلا النفي فقط، فيقولون:- املأ الدنيا نفيا، ولكن لا تثبت صفة واحدة، أم بعقل غلاة الغلاة من الباطنية والقرامطة الذين ينفون النفي والإثبات، فيقولون:- لا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل ولا موجود ولا معدوم، فينفون الصفة ونقيضها، بالله عليك، أي العقول أحق أن تتبع؟ هذا هو الضلال المبين، وأما أهل السنة فإنهم قالوا:- بل عقولنا هي التي تتبع الدليل لا العكس، فما أثبته الدليل فالحق والواجب على عقولنا أن تثبته، وإن لم تعقل كنهه، وما نفاه الدليل فالحق والواجب على عقولنا هو نفيه، فالعقل في فهم السلف الصالح تابع للنقل، لا يتقدم عليه، ولا يتأخر عنه، ولذلك فإنك لا ترى أي تنازع ولا أي اختلاف بين سلف الأمة في مسائل الاعتقاد التي هي بحق مسائل اعتقاد، ذلك لأنهم بنوا مذهبهم على الكتاب والسنة، وهي ثابتة لا تختلف ولا يدخلها التناقض ولا الاضطراب ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، لأنها تنزيل من عند حكيم حميد، وأما المذاهب الأخرى فناهيك عن الخلاف الذي يدب فيما بينها، لا أقول في مذهبين مختلفين، بل وفي المذهب الواحد، فبالله عليك ألم تفترق الرافضة إلى عدة فرق؟ ألم تفترق المعتزلة إلى عدة فرق؟ ألم تفترق الجهمية إلى عدة فرق؟ وغيرها وغيرها من المذاهب فبالله عليك ما السبب في هذا الاختلاف؟ الجواب:- لأنهم بنوا عقائدهم على عقولهم، لا على الكتاب والسنة، وإن أخذوا ببعض الكتاب والسنة فإنهم يأخذونها على ما تهواه نفوسهم وتمليه عقولهم لا على مقتضى فهم السلف الصالح، فالأصل فيهم أنهم لا يأخذون بالدليل، وإن أخذوا به أخذوا به على غير فهم السلف، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإن أردت النجاة في باب الأسماء والصفات فما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت