الصفحة 40 من 120

ويُرى بعد دخول الجنة، وأهل السنة مجمعون على أنها رؤية حقيقية بالعيان، على الكيفية التي يريدها الله تعالى، فالمؤمنون يرون ربهم يوم القيامة في العرصات، ويرونه بعد دخول الجنة، وقد نطقت الأدلة بذلك، فقال تعالى {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} والزيادة هي رؤية الرب جل وعلا، وقال تعالى {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ , إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} وإضافة النظر إلى الوجوه دليل على أنها رؤية حقيقية بالعين على ما يريده الله تعالى، وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بإثباتها كما في قوله"إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب ... الحديث"وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي، فإنه رؤية الله تعالى ليس كمثلها شيء، وقد انعقد إجماع أهل السنة رحمهم الله تعالى على هذه المسألة، فالسلف الصالح يفهمون من أدلة الرؤية عدة أمور: الأول:- أنها رؤية حق وثابتة، ولا محيص عن الإيمان بها، الثاني:- أنها رؤية عيان بالأبصار، الثالث:- أنها ستكون في العرصات وبعد دخول الجنة الرابع:- أنها رؤية لا تستلزم نقصا ولا عيبا في حق الرب جل وعلا، الخامس:- أنها على الكيفية التي يريدها الرب جل وعلا، فهذا هو فهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم فإنهم اتفقوا على إنكارها وتحريفها وتأويلها إلى معان أخرى، وكلهم يقولون بأنها ليست رؤية حقيقة، والله تعالى لا يرى بالعين، وهذا فهم مخالف لفهم سلف الأمة وأئمتها، والمتقرر أن كل فهم خالف فهم السلف في مسائل العقيدة والعمل فإنه باطل، فكل المذاهب المخالفة لهذا الفهم فهي باطلة، ولا حجة لهم في ذلك، وأما قوله تعالى {لَن تَرَانِي} فإن السلف رحمهم الله تعالى يفهمون منها نفي الرؤية في هذه الحياة الدنيا فقط، وأما في الآخرة فهي ثابتة، وكتاب الله تعالى لا يصادم بعضه بعضا، فنفي الرؤية إنما هو نفي للرؤية في الدنيا، كما قال صلى الله عليه وسلم"لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت"وأما لفظة (لن) المذكورة في الآية، فإن السلف رحمهم الله تعالى لا يفهمون منها النفي المؤبد، كما فهمه المعتزلة، ومن نحا نحو مذهبهم، بل (لن) عند السلف لا تقتضي التأبيد حتى وإن قرنت به كما قوله تعالى عن اليهود في تمنيهم للموت {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} ومع ذلك فإنهم سيتمنونه يوم القيامة، كما قال تعالى عن أهل النار {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا} فالمهم أن السلف لا يفهمون التأبيد من لفظة (لن) وإنما هذا فهم المبتدعة من المعتزلة وأضرابهم، وأما قوله {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} فإن السلف رحمهم الله تعالى يفهمون منها أنها نفي للإدراك والإحاطة لا أنه نفي لأصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت