فهرس الكتاب
لفظ العلو، فإن لفظ العلو هو الذي ورد به الكتاب وصحت به السنة وكذلك لفظ المكان، فإن السلف يفهمون منه أنه إن أريد به مكان سفل أو مكان علو محيط بالله تعالى فإنه يكون بذلك من المعاني الباطلة المردودة بالكتاب والسنة، وأما إن أريد به مكان علو غير محيط بالله تعالى فإنه كمال، ولكن لا يطلق السلف على هذا المعنى الحق لفظ المكان، وإنما يطلقون عليه لفظ الاستواء على العرش، فيقولون:- الله مستو على عرشه، بائن من خلقه، ليس في خلقه شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من خلقه، فلا يعبر السلف رحمهم الله تعالى عن المعاني الحق الثابتة بألفاظ مجملة موهمة للحق والباطل، بل لا يعبرون عنها إلا بما ورد به الكتاب والسنة من الألفاظ، وكذلك لفظ الحيز، فإن السلف لا يطلقون لفظه نفيا ولا إثباتا، ويتوقفون في قبول معناه على الاستفصال، فإن كان يراد به أن الله تعالى يحوز الأشياء أو هي تحوزه، يعني أنه داخل فيها حال فيها أو هي حالة فيه داخلة في ذاته، فهذا معنى باطل، بل هو أبطل الباطل، وإن كان يراد بالحيز أي المنفصل، فهو حق، فالله تعالى عال على الخلق، ومنفصل عنهم، ومنحاز عنهم ليس في ذاته شيء من ذوات خلقه، ولا في خلقه شيء من ذاته، هذا هو فهم السلف رحمهم الله تعالى، ودع عنك ما يقرره الخلف من أهل البدع، والزم جادة سلف الأمة تأصيلا وتفصيلا والمتقرر عند سلف الأمة رحمهم الله تعالى أن مسائل الاعتقاد لا يعبر عنها بالألفاظ المجملة الموهمة المحتملة، بل لا يعبر عنها إلا بالحق المتفق مع لفظ الكتاب والسنة، فالسلف رحمهم الله تعالى لا يجعلون هذه الألفاظ حاكمة على شيء من الوحي، بل الوحي هو الحاكم عليها والمهيمن عليها وأما من زاغ وحاد على سبيلهم فإنهم يجعلون مثل هذه الألفاظ مهيمنة حاكمة على ما ورد به الوحي، فقل لي بربك، لماذا أنكر أهل البدع العلو الذي ثبتت به الأدلة المتواترة؟ إنما ذلك لأن العلو عندهم جهة والجهة ممتنعة على الله، فأنكروا العلو وحرفوه مراعاة للفظ الجهة، فجعلوا هذا اللفظ حاكما ومهيمنا على ما ورد به الكتاب والسنة، وقل لي بربك، لماذا أنكر المعتزلة صفات الله تعالى ولماذا أنكر الجهمية الأسماء والصفات؟ إنما ذلك مراعاة منهم للفظ الجسم، لأن الموصوف بصفة لا يتصور أن يكون إلا جسما، والجسمية ممتنعة على الله تعالى، فحرفوا الأدلة وساموها تعطيلا وجحدا وإنكارا، احتراما منهم للفظ الجسم، فجعلوا هذا اللفظ حاكما ومهيمنا على ما ورد به الكتاب والسنة، فالمبتدعة من علاماتهم التي يعرفون بها:- تحكيم الألفاظ المجملة في وحي رب العالمين، فهذه الألفاظ المجملة الموهمة المحتملة هي الأصل عند أهل البدع