الصفحة 71 من 120

يُجْعَلَ مِنْهُمَا جَوَابٌ مُرَكَّبٌ فَيُقَالُ: قَوْلُهُ {الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} إمَّا أَنْ يُرَادَ بِالْأَمْرِ الْمَامُورُ بِهِ أَوْ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْأَوَّلُ أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ الرُّوحُ بَعْضَ ذَلِكَ فَتَكُونُ مَخْلُوقَةً. وَإِنْ أُرِيدَ بِالْأَمْرِ صِفَةُ اللَّهِ كَانَ قَوْلُهُ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي كَقَوْلِهِ وَرُوحٌ مِنْهُ وَقَوْلِهِ: جَمِيعًا مِنْهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا نَشَأَتْ الشُّبْهَةُ حَيْثُ ظَنَّ الظَّانُّ أَنَّ الْأَمْرَ صِفَةٌ لِلَّهِ قَدِيمَةٌ وَأَنَّ رُوحَ بَنِي آدَمَ بَعْضُ تِلْكَ الصِّفَةِ وَلَمْ تَدُلَّ الْآيَةُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ يَجِيءُ اسْمُ الرُّوحِ فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى آخَرَ كَقَوْلِهِ {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} وَقَوْلِهِ {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَالْقُرْآنُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ كَلَامُهُ وَلَكِنْ لَيْسَ الْكَلَامُ فِي هَذَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالسُّؤَالِ) فالروح عند أهل السنة كافة مخلوقة مبتدعة مربوبة مدبرة، وما خالف هذا الفهم فإنه باطل، لأن المتقرر أن كل فهم يخالف فهم سلف الأمة وأئمتها فهو باطل. والله يتولانا وإياك. الفرع الخامس عشر:- اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن التبرك بالذات مما خص به ذات النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز التبرك بذات أحد من الخلق إلا بذاته صلى الله عليه وسلم، وما اتصل بها وهذا متفق عليه بين الأئمة رحمهم الله تعالى، فقد كانوا يتبركون بوضوئه ونخامته وعرقه وثيابه وغير ذلك مما ثبتت به الأدلة، وهذا التوسل يجوز عند أهل السنة بآثاره ولو بعد مماته صلى الله عليه وسلم، ولا شيء من آثاره قد بقي الآن عند عامة أهل العلم، والذي يهمنا هنا هو أن الصحابة رضي الله عنهم فهموا أن هذا التبرك من خصائصه صلى الله عليه وسلم، ولذلك فإنهم لم يكونوا يتبركون بشيء من آثار غيره، حتى وإن بلغ في الصلاح والورع والعلم والزهد ما بلغ، فلم يكونوا يتبركون بآثار أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون وخير الأمة بعده فضلا وعلما وإيمانا وهدى، ولا بآثار بقية العشرة المبشرين بالجنة ولا بآثار أحد ممن كان على عهده، وهذا باتفاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم قد فهموا أنه من خصائص نبيهم صلى الله عليه وسلم، لا يشاركه فيها أحد من الأمة بالغا ما بلغ في دينه وتقواه وزهده وصلاحه، واتفق على ذلك الأئمة بعدهم من سلف الأمة، وهذا فهم متفق عليه بين السلف، يجب اعتماده وتحرم مخالفته، وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم فإنهم يجوزون التبرك بآثار الأولياء والصالحين، فتراهم يقبلون يديه ورجليه ويتمسحون به، رجاء البركة، وهو مشهور عند الصوفية، لاسيما بين المشايخ منهم ومريديهم، ويستدلون على ذلك بأن الصحابة كانوا يفعلونه مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم أولياء الله المتقون، ولهم مزيتهم وفضلهم على غيرهم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت