فهرس الكتاب
وَهَذَا مَشْرُوعٌ؛ فَمَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ أَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ. وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الدُّعَاءَ لَا عِنْدَ قَبْرِهِ وَلَا عِنْدَ غَيْرِ قَبْرِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ عِنْدَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ؛ يَسْأَلُ أَحَدُهُمْ الْمَيِّتَ حَاجَتَهُ أَوْ يُقْسِمَ عَلَى اللَّهِ بِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ) فهذه المسألة مهمة جدا، لابد من فهمها، وأما الثانية:- فاعلم أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم عند أهل السنة يراد به أحد أمور:- يراد به التوسل إلى الله تعالى بطاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله تعالى إلا بما شرع، فهذا هو أصل الدين وأساس الملة، وقاعدة الشرع التي بعث بها صلى الله عليه وسلم، وهذا من الفروض في حياته وبعد مماته ويراد به التوسل إلى الله تعالى بطلب الدعاء منه، وهذا جائز باتفاق أهل السنة، ولكنه لا يجوز إلا في حياته فقط، وأما بعد مماته، فلا يجوز باتفاق أهل العلم رحمهم الله تعالى، ويراد به التوسل إلى الله تعالى بذاته، وهذا من التوسل البدعي باتفاق أهل السنة والجماعة، ولا عبرة بمخالفة أهل البدع ويراد به التوسل إلى الله تعالى بجاهه، فهذا من التوسل البدعي كذلك عند عامة أهل السنة، فبان لك بذلك، أن التوسل إلى الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم له حالتان مشروعتان، إحداهما مشروعة على وجه الإطلاق، والأخرى مشروعة في حياته فقط، وحالتان ممنوعتان ومنعهما على وجه الإطلاق، في حياته وبعد مماته، والمقصود أن منزلة النبي صلى الله عليه وسلم لا تستلزم الوقوع في المخالفات التي لا دليل عليها، لأن هذه المخالفات بنيت على غير فهم السلف، والمتقرر أن كل فهم يخالف فهم سلف الأمة في مسائل العقيدة والعمل فهو باطل، والله يتولانا وإياك.
الفرع الثامن عشر:- اتفق المسلمون على وجوب الإيمان بالملائكة، والجن، وأنهما صنفان من أصناف ما خلقه الله تعالى، واتفقوا على أن الإيمان بهم يتضمن الإيمان بوجودهم، وأنهم أجسام وأن لهم أسماء وصفات وأعمال، واتفقوا على أن الجن مكلفون، فالأدلة الواردة في شأن الملائكة فهم سلف الأمة منها أنهم أجسام وأن وجودهم حقيقي، وكذلك الأدلة الواردة في شأن الجن وفهم سلف الأمة هو الحق في هذا الباب، وفي كل باب، وأما الفلاسفة ومن نحا نحوهم، فإنهم لا يؤمنون بوجود الملائكة ولا الجن، بل يفهمون مما ورد فيهم أن الملائكة عبارة عن قوى الخير فقط ولا أجسام لهم، ولا حقيقة لهم إلا ذلك، وأن الجن لا وجود لهم وليسوا هم بأجسام، وإنما هم عبارة عن قوى الشر فقط، وهذا فهم أخرق عاطل باطل، لأنه مخالف للأدلة المتواترات من الكتاب والسنة ومخالف لإجماع