فهرس الكتاب
على بطلان قول من قال:- إن مجبور على فعله، ولا حول له ولا قوة في اختيار شيء، بل مدفوع إلى فعله دفعا، فهو بمنزلة المغسول بين يدي غاسله، والميت بين يدي مقلبه، لا يملك شيئا من القدرة ولا شيئا من الاختيار، هذا القول الخبيث قد أجمع سلف الأمة على بطلانه، وأجمعوا على بطلان قول من قال:- إن العبد هو الذي يخلق فعله بذاته، وأن له القدرة الكاملة والاختيار الكامل، ولا تعلق لغيره في اختيار فعله، وهذا باطل، كما ذكرته باتفاق السلف، بل السلف متفوق على أن العبد له قدرة واختيار ومشيئة، ولكن كل شيء بقضاء الله وقدره، ولا يخرج شيء عن أن يكون مقدورا لله تعالى، والله خالق الأشياء بذواتها وصفاتها وجميع متعلقاتها، وكل شيء معلوم بالعلم الشامل الكامل ومكتوب في اللوح المحفوظ، ولا يفهم من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إلا ما قرره سلف الأمة في هذا الباب، وأما القدرية والجبرية فإنهم ضلوا في هذا الباب ضلالا بعيدا، فالقدرية أخذوا بالأدلة التي تنسب الفعل إلى العبد وتضيفه إليه فقط، فقالوا إنه يخلق فعله وهو القادر عليه القدرة الكاملة، والجبرية أخذوا بالأدلة التي تنسب فعل العبد إلى الله فقالوا:- لا قدرة للعبد ولا اختيار، وأما أهل السنة، فإنهم نظروا إلى الأدلة جميعا وفهموا من إضافة الفعل إلى العبد أنها إضافة تحصيل واكتساب، وفهموا من إضافة فعل العبد إلى الله تعالى أنها من باب إضافة الخلق والتقدير والإيجاد، وعليه:- فالقدرية والجبرية في هذا الباب فهموا من النصوص فهما مخالفا لفهم سلف الأمة، والمتقرر أن كل فهم بني على مخالفة فهم سلف الأمة في مسائل العقيدة والعمل فإنه فهم باطل، والمتقرر أن ما بني على الباطل فهو باطل، قال أبو العباس رحمه الله تعالى (وَمِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا مَعَ إيمَانِهِمْ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَا لَمْ يَكُنْ وَأَنَّهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَأَنَّ الْعِبَادَ لَهُمْ مَشِيئَةٌ وَقُدْرَةٌ يَفْعَلُونَ بِمَشِيئَتِهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ مَا أَقْدَرَهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ الْعِبَادَ لَا يَشَاءُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كَلَّا إنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} الْآيَةَ , وَقَالَ تَعَالَى {إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إلَى رَبِّهِ سَبِيلًا وَمَا تَشَاءُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} وَقَالَ {إنْ هُوَ إلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} وَالْقُرْآنُ قَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّ الْعِبَادَ يُؤْمِنُونَ وَيَكْفُرُونَ وَيَفْعَلُونَ وَيَعْمَلُونَ وَيَكْسِبُونَ وَيُطِيعُونَ وَيَعْصُونَ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرُونَ وَيَقْتُلُونَ وَيَزْنُونَ وَيَسْرِقُونَ وَيَصْدُقُونَ وَيَكْذِبُونَ وَيَاكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ