والوجه الثالث ما يفعله الله تعالى بكثير من أعدائه من بسط الرزق وعلو الأمر والنهي وظهور الثروة في الحال في الدنيا فذلك إعزاز فعل لا إعزاز حكم وله في الآخرة عند الله العقاب الدائم وإنما ذلك إملاء من الله تعالى له واستدراج ... وقد قال الله تعالى ذكره (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين)
26 المذل الله تعالى يذل طغاة خلقه وعتاتهم حكما وفعلا فمن كان منهم في ظاهر أمور الدنيا ذليلا فهو ذليل حكما وفعلا وقد أذلهم أيضا بأن أمرنا باستعبادهم وإلزام الصغار عليهم وأخذ الجزى عنهم كما قال تعالى ذكره ... حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون
27 السميع هو فعيل في معنى فاعل وقد تقدم في مثله القول والله تعالى سامع وسميع ويجيء على قياس قول قطرب أن يقول في سميع إنه الذي يسمع السر وسامع في كل شيء ... ويجيء في كلامهم سمع بمعنى أجاب من ذلك ما يقوله المصلي عند رجوعه من الركوع سمع الله لمن حمده فسر على أنه بمعنى استجاب
وقد أنشد أبو زيد في النوادر ... دعوت الله حتى خفت ألا ... يكون الله يسمع ما أقول
أي لا يجيب
28 البصير هذا فعيل في معنى مفعل كما جاء أليم في معنى مؤلم
وقال الشاعر
أمن ريحانة الداعي السميع
وإنما جاء ذلك لأن مفعلا اسم الفاعل من أفعل ومطرد فيه اطراد فاعل في فعل
29 الحكم والحكم والحاكم بمعنى واحد وأصل ح ك م في الكلام المنع وسمي الحاكم حاكما لأنه يمنع الخصمين من التظالم وحكمة الدابة سميت حكمة لأنها تمنعه من الجماح ... وفي كتب السلاطين القديمة واحكم فلانا عن ذلك الأمر بمعنى امنعه ... قال أبو علي ومثل مجيء حاكم وحكم بمعنى واحد قول الناس فلان سالم وسلم وهما ذو السلم وهو الصلح ... وقال الشاعر ... أغاضر إنني سلم ... لأهلك فاقبلي سلمي
وكذلك قولهم واسط ووسط وقال الله عز وجل ... ( ... وكذلك جعلناكم أمة وسطا) ... فالله تعالى هو الحاكم وهو الحكم بين الخلق لأنه الحكم في الآخرة ولا حكم غيره ... والحكام في الدنيا إنما يستفيدون الحكم من قبله تعالى علوا كبيرا
30 العدل أصل هذه اللفظة من قولهم عدلت عن الطريق أعدل عنها عدلا وعدولا وإنما سمي العدل والعادل لأنهما عدلا عن الجور إلى القصد والله تعالى عادل في أحكامه وقضاياه عن الجور ... فأفعاله حسنة وهو كما قال ... والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء