القدامى - جيران الزمان الأول - فقد تلاشوا في غياهب المدينة و لم يتردد لأحد منهم ذكر الا في صفحة الوفيات، و جعل قلبى يخفق. و رأيت المطرقة معلقة بالباب فرأيت الأيدى العزيزة تقبض عليها. و قال المهندس كالمعتذر:
كان على أن أتخذ الاستعدادات لإدخال المياه و الكهرباء.
فقلت له:
6 في نيتي أن استعمل المصباح الغازي ..
7 ستكون جاهزة اذا احتجت اليها حتى تفيق من الخيال.
ولكننى أمعنت في الخيال و أنا أرتقي في السلم العالي. و حال بلوغي الطابق المعد جذبت الى الوراء البعيد بشدة. غاب عنى صوت المهندس ن كدت أنساه تماما. ها هو الفرن. لكن أين حرارة الدفء و اللهب و المجلس السعيد؟ و تقت الى عبق الخبيز. و ها هو الحمام بمنوره المزركش و خزانه العريض و الحوض المفعم بالزهر و الورد. و ها هى أنابيب التقطير تكاد تسيل بالرائحة الذكية، و جلست أراقب اليدين في نشاطهما العذب و أستمع الى التلاوة. و اندفعت أجرى في الدهليز بين الحجرتين تطوقني الأصوات المحذرة. و اختلط التهديد بالضحكات العالية، و اعترضنا الذى يضع على وجهه قناعا من الكرتون رسمت عليه صورة الشيطان، و جاء صوت معاتبًا:"لا ترعبه فالرعب لا يزول"، و صعدت الى السطح فهالني أن أجد الحجرة الصيفية خالية من غطاء اللبلاب و الياسمين و أن أرض السطح خالية من السلم الخشبي و حبال الغسيل، و جذبنى صياح الديك الى حجرة الدجاج فهرعت اليها، و فردت جلبابى و أمسكت بطرفه لجمع فيه البيض.
و صحت فيمن يرافقني:"انظر"و أشرت الى لون المساء الهابط على الحى من خلف القباب و المآذن. و طلع البدر في خيلاء من وراء البيوت العتيقة فتطلعت اليه بشغف. عند ذاك رفعت فوق الكتف و همس لى الصوت الحنون:"خذه ان قدرت"، فمددت يدى بمنتهى الحب و الأمل الى البد الساطع ... !!