الآخرة.
و رجع الى حارته و هو في غاية من التوقع و التوتر، و كان على شبه يقين من البنت التى سيراها، و لكن أين تذهب شمائل في ساعة الغروب؟ و كان سرحان الأعمى أول من خرج من الحارة، و تلاه غلام يسوق الطوق و يغنى"على باب حارتنا حسن القهوجى"، و اشتد قلق عبدين فقال في سره:"سلمت اليك أمرى يا رب العالمين"، و اذا بصوت ينادى"عال الجوافة"و ظهرت عربة يد فوقها هرم من الجوافة تدفعها حليمة، ذهل، لم يحول عينيه عنها، و ضحكت هى لما رأته و قالت مداعبة:
"واقف مثل غفير الدرك"، و مضت نحو الميدان، سار و هو يقول لنفسه:"يا رب لطفك و رحمتك"
أيعنى الشيخ حقا حليمة بنت أم حليمة بياعة المخلل و ابنة المرحوم أحمد المكارى؟ لا أحد في حارتنا يجهل حليمة، و هى أيضا تتعامل مع الجميع، و لكنه كما تقول أمها مفاخرة:"رجل بين الرجال"، رغم رشاقة عودها و ثرائه. و كانت مقبولة الوجه و جذابة أيضا رغم قوة نظرتها النافذة، و خلا عبدين الى نفسه يتفرغ للحيرة، و يذهب مع خياله و يجئ بين شمائل و حليمة، و شكا سره الى صديقه الذهبى فقال له:
2 أى وجه للمقارنة بين شمائل و حليمة! و انت عرفت شمائل من خلال الجيرة و المعاملة و شهادة المعارف و الجيران، أما كلام الأولياء فليس منزلًا من السماء،
و لكن ايمان عبدين بقول الولى كان فوق أى مناقشة،
و انتشرت رائحة الخبر رويدا رويدا، فأثارت الدهشة و الضحك كما عثت الدموع في أعين كثيرة، و حصل كلام و نزاع و صراع، و لكن عبدين صمد لكل معارضة بقوة ايمان لا يتزعزع، و في ساعة العصرية، و قبل أن تتحرك حليمة بالعربة ذهب عبدين الى حجرتها، بربع الزاوى و طلب يدها من أمها، و أخذ الخيال يتحول الى حقيقة، و سمع حمودة في احدى الليالى يقول فى