الصفحة 1 من 4

هل حقًا وعينا الحكمة في قوله ـ صلى الله عليه وسلم:"أنتم أعلم بأمر دنياكم"

الدكتور عبدالبديع حمزة زللي

فهم كثير من الناس أحاديث تأبير النخيل فهما خاطئا من خلال قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (أنتم أعلم بأمر دنياكم) . وظنوا أن جميع الأمور الدنيوية التي حدث عنها المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ هي من أمور الدنيا فقط، لذا فهي تخضع لهذا القول، الأمر الذي يعرض الأحاديث النبوية المتعلقة بالأمور الدنيوية إلى التعطيل. وهذا الأمر جد خطير.

ولقد خاض في هذا الأمر كثير من العلماء منذ القدم وخاصة أولئك الذين اهتموا بأمور الفلسفة، وعلوم الطب والعلوم الدنيوية الأخرى، وقد يظن بعضهم خطأ أن في تعميمهم قول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ (أنتم أعلم بأمر دنياكم) على جميع الأحاديث النبوية المتعلقة بأمور الدنيا ومعيشتها ما يحمي هذه الأحاديث من انتقادات غير المسلمين حول هذه الأمور، لذلك نجد بعضهم قد أخذ يؤكد أن ما قاله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أمور الدنيا ومعيشتها هي من اجتهاده، مستشهدين ببعض الأحاديث النبوية المتعلقة بأمور الطب مثلا، وهم لم يفهموها فهما جيدا، ويدركوا المعاني الدقيقة من أقواله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها.

وذلك اجتهادا منهم لحماية أقوال المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أي طعن أو تشكيك، وخاصة عندما يبدو للملحدين تعارض وهمي بين نتائج العمل التطبيقي وبين أقوال نبي الهدى ـ صلى الله عليه وسلم، فيسيئون بذلك إلى أحاديث المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ من حيث يحسبون أنهم يحسنون، وما قاله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أمور الدنيا هو حق لا مرية فيه ولا شك فيه، حتى وإن بدا في بعض هذه الأحاديث تناقض ظاهري فمرده إلى عدم معرفة الأسباب التي أدت لذلك، وعدم معرفة المعاني الدقيقة التي تشملها أقوال الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذه الأحاديث، بل العكس فهذه الأحاديث تكشف لجميع البشر عن معجزة من معجزات النبوة التي تدلنا على أمر دنيوي ما، لم يعرف الناس عنه شيئا في ذلك الحين، ولم تظهر حقيقته إلا بعد أن توسعت العلوم والمعرفة، وبعد أن تطورت الأجهزة والمخترعات، لكن المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد سبق العلماء والعلم الحديث، وأشار أو كشف عن الحقائق العلمية الخاصة بهذا الشأن، وهو لم يكن أبدًا طبيبا أو عالما فلكيا أو عالما في أمور الدنيا كلها، ولكن الله سبحانه وتعالى كان يعلمه بهذه الأمور فعرفها وعرَّف الناس بها، مما يدل على صدق نبوته ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورسالته.

نعود ونقول إن من الأمور التي جعلت مثل هؤلاء يتجرأ ون على أحاديث المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو ما قد يظهر من تعارض وهمي بين ما ورد في بعض الأحاديث النبوية المتعلقة بالأمور الدنيوية، وبين نتائج التطبيق الفعلية، في حين لو تدبروا فيها وتأملوا بعمق علمي، لوجدوا أن الحقائق العلمية تنسجم مع هذه الأحاديث انسجاما مذهلا، وتتكشف لنا منها معجزات نبوية، وهذا التعارض الوهمي مرده في الأصل إلى عدم تطبيق أقوال المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما ينبغي أن تُطبَّق، فعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك أحاديث نبوية كثيرة متعلقة بأمور الطب النبوي، وفي هذه الأحاديث نجد أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصف لنا مادة أو غذاءً ينفع في علاج مشكلة معينة، وقد يستخدم البعض هذه المادة أو ذلك الغذاء دون مراعاة الشروط اللازمة في الاختيار والتطبيق، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور ما يبدو ظاهريا نوعًا من التعارض الوهمي بين نتيجة التطبيق وبين قول المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ المتعلق بهذا الأمر، في حين أنه لو أننا فهمنا قول الحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهما صحيحا، وأدركنا المعاني الدقيقة من هذا القول تمام الإدراك، وطبَّقنا الطب النبوي التطبيق الصحيح السليم، لظهرت لنا مباشرة تلك الفائدة المرجوة من هذا التطبيق، غير أننا قد لا ننتبه إلى هذه الأمور عند تطبيق الطب النبوي لمعالجة مشكلاتنا الصحية، فكل مخلوق أو مادة توجد على هذه المعمورة تتخلق أو تتكون وفق فطرة ربانية سليمة، وبكل مخلوق نباتي أو حيواني يتغذى حسب هذه الفطرة تغذية معينة، وإذا وجدنا قولا للحبيب المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصف لنا مادة أو غذاءً لعلاج مشكلة صحية معينة، فعلينا إذًا أن نستخدم هذه الأشياء وقد تكوَّنت أو تخلَّقت أو تغذت حسب الفطرة الربانية الصحيحة السليمة، أما إذا غيَّر الإنسان في فطرة التغذية والتخليق، فعليه أن يتوقع أيضًا تغيرًا في الأثر الصالح النافع المرجو من هذه الأشياء التي غير في فطرة تخليقها أو تغذيتها أو تكوينها. ولمحدودية هذا المقال لا يمكننا أن نتوسع هنا كثيرًا، ولذلك نضرب مثالًا واحدًا يعرفه الجميع نوضح فيه هذا الأمر وهو العلاج بالعسل:

العلاج بالعسل

ورد في القرآن الكريم وفي أحاديث كثيرة فائدة العلاج بالعسل من الأمراض والأسقام المختلفة والمتنوعة.

ولعل البحث في الدراسات والأبحاث التي تناولت موضوع الاستشفاء بالعسل قد يسبب الحيرة والإرباك، إذ نجد أن بعض الأطباء قد توصلوا في أبحاثهم إلى نتائج تدل على إمكانية تناول بعض مرضى السكر للعسل دون حرج، وأن للعسل أثرًا حسنًا في سير مرض السكر، في حين نجد باحثين آخرين قد توصلوا في دراساتهم وأبحاثهم إلى أن العسل يؤدي إلى زيادة السكر في الدم، كما نجد نتائج أخرى توصلت إلى أن الاستشفاء بالعسل يتم بنوع دون آخر كالعسل الأبيض الذي أظهر نتائج طيبة في حين أن تناول مريض السكر للعسل الأسود يؤدي إلى زيادة السكر في الدم، كما نجد آخرين قد توصلوا إلى خلاف ذلك.

ولعل هذه الحيرة قد أصابت الأطباء أنفسهم، إذ إننا نجد بعضهم قد شرح شرحا مفصلا وافيا حول الاستشفاء بالعسل من مختلف الأمراض والأسقام، وتجنبوا إلقاء الضوء على إمكانية الاستشفاء بالعسل من مرض السكر أو الإشارة إلى إمكانية تناول مرضى السكر له كنوع من أنواع الأطعمة.

وعندما نستعرض بعناية كل الدراسات المتعلقة بهذا الشأن فإننا نجد أن الذين ينادون باستخدام العسل لمرضى السكر على حق، وأن نتائج أبحاثهم تؤكد ذلك، كما يظهر لنا أيضًا أن الذين جربوا العسل كعلاج لمرض السكر فزادت نسبة السكر في دمهم، هم أيضًا على حق، فكيف يمكن إذًا التوفيق بين النتيجتين المتضاربتين؟ وماذا يفعل مريض السكر إزاء هذا التضارب؟ وإلى أي فريق يميل؟

لقد حيَّر هذا الأمر أيضًا علماء الدراسات الإسلامية، فانقسموا إلى فريقين: فريق يرى أن العسل دواء عظيم وعام لكل الأسقام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت